خلق الصالحين
بقلم الشيخ رشاد أبو الهيجاء
في خضم الصراع القائم في هذه الحياة، يعيش المرء ساعات ممتعة وهادئة، وأخرى مليئة بالتحديات والصعاب التي قد تضعه على المحك: هل يستطيع ضبط سلوكه أم أنه سيتحوّل إلى مصارع مسارع في الحكم والتصرف؟
وقد قال النبي ﷺ: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب». فالمرء الصالح هو القوي في إرادته، المتحكم بنفسه وعقله، فيكظم غضبه ويتحلم، ويمنع نفسه من إيذاء الناس قولاً أو فعلاً. وهذا السلوك الطيب لا يكون إلا من شخص جاهد نفسه فهذّبها، مصداقًا لقوله تعالى:
﴿ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها * قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها﴾.
تزكية النفس بالعمل الصالح وضبطها أصعب بكثير من محاربة العدو الخارجي، وهو دليل على قوة الشخصية، لأنها ترتقي بالإنسان من الاستجابة لغريزته البشرية إلى التحلي بالصفات الرحمانية، واضعًا نصب عينيه قوله تعالى: ﴿وعجلت إليك رب لترضى﴾.
إنّ لكل إنسان قناعات شخصية ومفاهيم تربى عليها حتى أصبحت جزءًا من شخصيته، وعند أي سلوك يظن أنه على حق. لكن الرجل الصالح هو من يراجع نفسه ويحاكمها، لأنه يعلم أنّ عدم محاسبتها يورده المهالك. وقد قال النبي ﷺ: «الكَيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني».
من هنا فإنّ ردة فعل المرء الصالح عند كل حدث تكون محسوبة ومنضبطة بمنهج رباني، إذ قال الرسول ﷺ: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا: كتاب الله وسنتي».
إنّ التسرع في ردود الأفعال والأقوال غالبًا ما يكون ناتجًا عن اعتقاد باطل بأن المرء أعلم من غيره وأفهم، فيسعى إلى فرض رأيه بالقوة وإسكات الآخرين. وقد يؤدي ذلك إلى الظلم والعدوان وفضح الناس. بينما العاقل شعاره: «رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب».
الصالح بأخلاقه يسمو، ويبحث دائمًا عن الربح الحقيقي وهو مرضاة الله، فيضبط سلوكه ويحسن التعامل مع الآخرين حتى في أصعب الظروف، فلا يرفع صوته ولا يغضب إلا إذا انتُهكت محارم الله. وهو يفسح المجال للحوار البنّاء وسماع الآراء النافعة، منصفًا بين سمعه ولسانه، إذ له أذنان ولسان واحد فلا يتكلم أكثر مما يسمع، مدركًا أن الحجة القوية لا تحتاج إلى فرض بالقوة.
حتى في مسائل العقيدة، وهي أغلى ما يملك المرء، يقول الله تعالى: ﴿لا إكراه في الدين﴾، وقال سبحانه: ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن﴾. فكيف يكون الحال في أمور الدنيا الزائلة؟
إنّ حالات القتل والاعتداء التي نشهدها اليوم ليست إلا وليدة مواقف تسرع وغلبة للنفس الأمارة بالسوء، بينما أصعب المواقف هي ضبط النفس والتحكم بها. وقديمًا قالت العرب: «من اقتص من عدوه بعد أربعين سنة قال استعجلت». ونحن لا نريد القصاص بل نريد العفو والمسامحة، كما قال تعالى: ﴿ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم * وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم﴾.
إن لم نتمسك بهذه القيم، سيعم الظلم والظلام على مجتمعنا الذي يفترض أن يكون مثالًا للأخلاق والقيم التي ورثناها عن آبائنا وأجدادنا. ولن يصلح الصالحون في زماننا إلا بما صلح عليه الأتقياء ممن سبق من أهل الخير والفلاح.
؟

