لا يخفى على أحد أنّ الطغيان قد عمّ وطمّ، وأصبح شبحاً يخيم على العالم أجمع، وصولاً إلى داخل مجتمعاتنا العربية التي تنزف جراحها بلا طبيب. والسؤال الذي يطرح نفسه: كيف يكون المخرج من هذا الحال؟
إنّ الجواب لا يأتي إلا من أسمى العلوم وأرقاها، وهي العلوم الربانية، التي جاءتنا بوحي من رب العالمين على يد الأنبياء والرسل. فبينما تتوزع العلوم إلى مادية نافعة وأخرى ضارة، أو إلى علوم التربية والتعليم، فإنّ العلوم الربانية هي وحدها القادرة على إصلاح الفساد ورفع الطغيان، لأنها تعنى بحفظ مقاصد الشريعة الخمس: النفس، المال، العقل، النسل، والدين. فإذا حُفظت هذه المقاصد، عاش الناس باعتدال وحوار عقلاني سليم بعيداً عن التعصب، وفق مراد الله تعالى.

وقد أكد القرآن الكريم على أهمية الرجوع إلى العلماء الربانيين بقوله:
﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلۡأَمۡنِ أَوِ ٱلۡخَوۡفِ أَذَاعُواْ بِهِۦۖ وَلَوۡ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنۡهُمۡ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسۡتَنۢبِطُونَهُۥ مِنۡهُمۡ﴾.
فأولي الأمر هم العلماء الذين يستنبطون الأحكام ويحددون الطريق المستقيم من كتاب الله وسنّة نبيه.
إنّ من أخطر أسباب الهلاك ضياع الأخلاق والقيم. وقد عبّر الشاعر عن ذلك بقوله:
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت … فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
فالطغيان يتوسع مع انهيار الأخلاق، ليقود إلى هلاك المجتمعات على أيدي أبنائها. وقد جاء في القرآن الكريم:
﴿وَإِذَآ أَرَدۡنَآ أَن نُّهۡلِكَ قَرۡیَةࣰ أَمَرۡنَا مُتۡرَفِیهَا فَفَسَقُوا۟ فِیهَا فَحَقَّ عَلَیۡهَا ٱلۡقَوۡلُ فَدَمَّرۡنَـٰهَا تَدۡمِیرࣰا﴾.
والخطر يتعاظم حين لا يُؤخذ على يد الظالم، ويُجارى في طغيانه، فتجحد المجتمعات نعم الله. وهنا يكون الهلاك محتوماً كما جاء في قوله تعالى:
﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلࣰا قَرۡیَةࣰ كَانَتۡ ءَامِنَةࣰ مُّطۡمَئِنَّةࣰ یَأۡتِیهَا رِزۡقُهَا رَغَدࣰا مِّن كُلِّ مَكَانࣲ فَكَفَرَتۡ بِأَنۡعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلۡجُوعِ وَٱلۡخَوۡفِ بِمَا كَانُوا۟ یَصۡنَعُونَ﴾.
وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم أمته من سنن الهلاك حين قال:
«يا معشر المهاجرين، خمس إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع… ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء… ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم… وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل بأسهم بينهم».
إنّ انتشار الظلم والفساد والطغيان هو سبب مباشر للعقوبات الربانية. وقد قال صلى الله عليه وسلم:
«اتقوا الظلم، فإنّ الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشحّ فإنّ الشحّ أهلك من كان قبلكم».
ومن هنا، فإنّ مسؤولية أصحاب الرأي والفكر السليم أن يسعوا إلى نزع أسباب الفتنة، وردّ المجتمع إلى أسباب العزّة والكرامة، قبل أن يعمّ العقاب الجميع – الصالح والطالح – كما قال رسول الله:
«ما من قوم يُعمل فيهم بالمعاصي، هم أعزّ وأكثر، ثم لا يغيرون، إلا عمّهم الله بعقاب».







