.jpg)
تقرير: ايمان محاميد
تصوير: وائل عوض
تزامنا مع إحياء ذكرى النكبة ال 64 قام طاقم صحيفة حيفا بجولة ميدانية في بعض القرى المهجرة في منطقة حيفا، ومنها طيرة حيفا، إجزم وعين وحوض. والتقى مع عدد من الشخصيات المتقدمين في السن الذين تحدثوا عن نكبتهم وقصة هجرتهم. ومن بين القصص التي استمعنا إليها قصة قرية "عين حوض" المهجرة، الحاج أبو عاصم يقول..
الحاج أبو عاصم أبو الهيجاء وعجلة التاريخ
هموم شعبنا وجراحه لم تندمل من ذكرى بيت هجروا أهله، وأرض رحل أصحابها عنها خلال النكبة، ويحن الحاج عبد الحليم أبو الهيجاء "ابو عاصم" إلى أيام زمان، ويتمنى أن يعود بكافة التفاصيل إلى أرض القرية الخضراء، والتي تجود بخيراتها. لكنه يستدرك قائلا: ما في شيء يعود مثل أيام زمان. ضاع كل شيء وراح منا..
لا زالت ذاكرة التسعيني الحاج أبو عاصم أبو الهيجاء تختزن تفاصيل عين حوض الدقيقة، إذ إنه كان في ريعان شبابه يوم حدوث النكبة. التقينا به في بيته حين جاء يستقبلنا وهو يتكئ على جهاز المشي الذي يساعده على التنقل ببطء شديد. ثم جلس على المقعد وراح يعيدنا مع عجلة التاريخ إلى الوراء ليحدثنا عن مأساة وحكاية قرية عين حوض الأصلية، ويروي لنا عن السنين التي عاشها قبيل تهجير القرية ..
وأكد أبو عاصم أن لكل قرية قصة، ولكل قصة ذكرى شعب يعيش ويخشى من النسيانن وهكذا ستظل قرية عين حوض شاهدا حيا على مدى تمسك أهلها بأرضهم ووطنهم، وهذا ما لمسناه من قصة الحاج أبو عاصم ..
وتبدأ الحكاية …
عين حوض تقع على بعد 14 كم جنوب مدينة حيفا، على السفوح الغربية لسلسلة جبال الكرمل، وتطل على البحر. وهي من ضمن القرى التي لم تهدم بيوتها بعد أحداث النكبة. وبلغ عدد سكانها نحو 950 نسمة، كلهم من عائلة واحدة وهي عائلة أبو الهيجاء. وقد هجروا قسراً من عين حوض مع مجموعة قرى حيفا كإجزم وعين غزال.
في طريق الذهاب والإياب من وإلى عين حوض الحالية يعاني الأهالي من رؤية بيوتهم وأراضيهم التي يستعملها اليهود في قريتهم الأصلية، منذ سيطروا عليها. إنهم لم يحملوا أمتعتهم بل تركوا ديارهم وانتشروا في الجبال، وأنا انتقلت مع والدي وأهلي وعيالي وأبناء قريتي إلى الأحراش المقابلة للقرية، وأقمنا هناك في الأرض وصمدنا…
عشنا بسلام وأمان قبل دخول اليهود
عمل غالبية أبناء عين حوض في فلاحة أراضيهم وعاشوا من خيراتها، بسلام وأمان قبل وصول اليهود. كان السكان يبيعون منتجاتهم كالقمح والخروب في حيفا، كان فترة من الاكتفاء الذاتي، فزرعنا القمح والشعير والفاصوليا والخيار والبطيخ وغيرها.
دخلت القوات اليهودية إلى قريتنا نحو 15 مرة
كانت القوات اليهودية تهاجم القرية بوتيرة كبيرة، مرة كل 48 ساعة، وقد دخلوا القرية نحو 15 مرة، وكنا نطردهم كل مرة من القرية بالقوة، حتى المرة الأخيرة التي تركنا فيها عين حوض، وأخرجنا منها عنوة حتى اليوم.
وفي إحدى الهجمات استشهد المرحوم عطا نجيب، وأصيب شخصان من القرية.. كانت القوات اليهودية تتزود بالذخيرة والأسلحة من "عتليت" وزخرون يعقوب وتهاجم القرى القريبة من شارع حيفا تل أبيب، وتطلقون النار علينا، ولم تكن في عين حوض كلها أسلحة سوى 15 بندقية ..
كانوا يبعثون لنا التهديدات ويتوعدوننا
كان اليهود يبعثون لنا التهديدات إما أن نستسلم ونسلمهم القرية، أو أنهم سيقصفونها من جهة البحر بالسفن الحربية. وهذا كان يدل على دعم الإنجليز لهم لكي يستطيعوا السيطرة على أراضي فلسطين عامة وحيفا والقرى المجاورة. وكانوا يسعون لاحتلال عين حوض وطرد سكانها الفلسطينيين منها.
أهالي عين حوض لم يسلموا القرية لليهود بسهولة بل صمدنا وصمدنا
بدأت عملية احتلال عين حوض تدريجيا، فدخلوا أولا إلى جوانب القرية والأماكن البعيدة والنائية عن المركز والأماكن المأهولة. وكلما استولوا على منزل ينسفونه بالمتفجرات والقنابل لتخويف وترهيب الأهالي لإخلاء بيوتهم بسهولة.
لم يسلم أهالي عين حوض بلدتهم لليهود بسهولة بل صمدنا وصمدنا، لوجود المقاومة دفاعا عن القرية. وكان الأهالي يبقون يقظين ليلا ونهارا لحراسة القرية والدفاع عنها، ولكن في المرة الاخيرة عند وصول اليهود بأعداد كبيرة وذخيرة وأسلحة ودبابة استطاعوا احتلال عين حوض.
أصبح الجبل والمغارة بيتنا الجديد… انتظرنا لحظة العودة
فر الأهالي وتشردوا بين الأحراش والجبال والمغاور، فأصبح الجبل والوعر والمغارة بيتنا الجديد. لن أنسى أبدا منظر الأهالي وهم يتركون بيوتهم دون أن يحملوا أي شيء، تركوا كل شيء وخرجوا إلى الجبال. كان يعود بعضهم إلى القرية في الليل ليتزود بالملابس أو الطعام، وبعد فترة من الزمن رحل الجميع تاركين قريتهم ولكن لم يتركوا ذكرياتهم. استقر والدي والعائلة هنا، وأخذنا نعمل بتربية المواشي والماعز. ثم أقمنا مدة سنتين في دالية الكرمل، ولجأنا إلى عائلة كريمة وسكنا عندهم، وكنا في الليل نأتي لتفقد الماعز والأغنام وبعد عامين قررنا العودة إلى عزبتنا والاستقرار انتظارا للحظة العودة.
.jpg)
خضنا صراعا طويلا وشاقا من أجل البقاء
حظروا على أهالي "عين حوض" العودة، ومنعونا من الدنو منها، ولاحظنا أن قريتنا وتحولت في سنوات الخمسين إلى "عين هود"، بلدة يهودية. فاحتلوها وسكنوا في مبانينا وبيوتنا العربية المهجرة. خضنا صراعا طويلا ومريرا وشاقا من أجل البقاء، حيث أقمنا في الأحراش القريبة والجبال، وحاولنا إنشاء قرية "عين حوض" الجديدة لتصبح استمرارا لتلك المهجرة.
في عام 1949 أقيمت مستعمرة "نير عتسيون" على أراضي القرية. وبقي الأهالي ينتظرون حلم العودة إلى بلدهم وبيوتهم، ولكن سئمنا الانتظار في الأحراش والجبال فقررنا أن نقيم عين حوض الحالية على الجبال القريبة من قريتنا الأصلية، ولم تعترف الحكومة بالقرية إلا فقط قبل سنوات قليلة….





