لقد أكرمنا الله تعالى بمولد ومبعث خاتم الأنبياء والمرسلين، محمدٍ صلى الله عليه وسلم. وكلما أهلّ علينا هلال شهر ربيع الأول، تتجدّد الذكرى العطرة لمولده الشريف، الذي كان إيذاناً ببعثته المباركة، وإحياءً لأمةٍ كانت غارقة في ظلمات الجاهلية، إلا من بقايا شعرٍ وخطابةٍ تشوبها الشوائب.
فبمولده صلى الله عليه وسلم، وُلدت للأمة حياة جديدة، قوامها القيم والأخلاق، لا وأد للبنات ولا عبادة للأوثان، بل انطلاقة للعزة والكرامة والسيادة. وقد بُعث الرسول صلى الله عليه وسلم للاقتداء والاتباع، لا لمجرد الاحتفال بمولده ثم الانصراف عن منهجه وسيرته. قال تعالى:
﴿الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرّم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، فالذين آمنوا به وعزّروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون﴾.
كما قال سبحانه:
﴿لقد كان لكم في رسول الله أُسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا﴾.
إنّ فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يُمكن أن يُستوعب بلسان ولا يُحصى بكلام، وإنما هو إشارات قرآنية وسنّة نبوية ترسّخ هذه المعاني. فقد كان رسول الله نعمةً مهداة من الله تعالى، ساقها إلينا للخير، كما قال عز وجل:
﴿لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولًا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكّيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلالٍ مبين﴾.
وهذه النعمة العظمى باقية إلى يوم القيامة، لأن رسالته ختمت الرسالات السماوية. قال تعالى:
﴿ما كان محمد أبا أحدٍ من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليمًا﴾.
وقد لخّص الله مهمته بقوله:
﴿يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا﴾.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
«إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق».
وكيف لا يكون كذلك وقد تكفّل الله بتهذيبه وتعليمه؟ قال تعالى:
﴿إنا سنلقي عليك قولًا ثقيلًا﴾.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إن الله أدّبني فأحسن تأديبي».
فكانت أول كلمة أوحى بها إليه ربنا: «اقرأ». وأكّدها بقوله تعالى:
﴿وأنزل عليك الكتاب والحكمة وعلّمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيمًا﴾.
ولأجل عظمة الرسالة، شرح الله صدره ورفع ذكره:
﴿ألم نشرح لك صدرك * ووضعنا عنك وزرك * الذي أنقض ظهرك * ورفعنا لك ذكرك﴾.
حتى لا تمر لحظة إلا ويُذكر اسمه مقروناً باسم الله في الأذان. وقد مدحه ربّه بقوله:
﴿وإنك لعلى خُلق عظيم﴾.
وعندما سُئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن خلق النبي قالت:
«كان خُلُقه القرآن».
وقد ظهر هذا الخلق في معاملاته كلها، إذ قال تعالى:
﴿وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين﴾.
وقال سبحانه:
﴿فبما رحمةٍ من الله لِنتَ لهم ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضّوا من حولك، فاعفُ عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر، فإذا عزمتَ فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين﴾.
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مثالاً للرحمة واللين، فلم يضرب بيده شيئاً قط، ولا امرأة ولا خادماً، إلا أن يجاهد في سبيل الله. وكان يعفو ويصفح، وإذا خُيّر بين أمرين أخذ أيسرهما ما لم يكن إثماً. وكان يكرم ابنته فاطمة الزهراء رضي الله عنها، فيقوم لها ويقبّلها ويجلسها في مكانه، وكذلك كانت تفعل معه. وكان لا يرى أحداً إلا تبسّم في وجهه، حتى قال الصحابي جرير بن عبد الله: «ما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تبسّم».
بل إنه حمل حفيدته على عاتقه وهو يصلي بالناس، يضعها إذا ركع ويرفعها إذا قام، في مشهد يجمع بين عبادة الله وعاطفة الجدّ وحنان الأب.
لقد حمل الرسول صلى الله عليه وسلم الرسالة بأثقالها، وقاد الناس إلى الخير دون أن تتغيّر أخلاقه. فارتقى بهم إلى العزة والكرامة، حتى قال الفاروق عمر رضي الله عنه:
«إنا كنّا أذلّ قوم، فأعزّنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العزة بغير ما أعزّنا الله به أذلّنا الله».
وفي ذكرى مولده، لا بد أن نجدد العهد معه صلى الله عليه وسلم، معلنين حبنا وإخلاصنا له، والسمع والطاعة لله ولرسوله، كما قال تعالى:
﴿ومن يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظًا﴾.
وقال سبحانه:
﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويُسلّموا تسليمًا﴾.
فإيماننا مرتبط بحبه واتباعه، كما قال صلى الله عليه وسلم:
«لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين».







