الأرشمندريت أغابيوس أبو سعدى.. منارة حيفا ورجاء لبنان
مطانس (طوني) فرح
غصّت، مساء أمس الخميس (21.08.2025) كنيسة السيّدة في مدينة حيفا الحبيبة بالمحبّين، كما غصّت قلوبنا بالحسرة على وداع الأرشمندريت أغابيوس أبو سعدى، ذاك الذي لم يكن يومًا من الأيّام مجرّد عابرٍ في حياتنا، بل غاصَ عميقًا في أرواحنا حتّى باتَ جزءًا من ذاكرتنا ونبضنا. ورُغم أنّ الوداع أليمٌ، إلّا أنّ حضورَه فينا لا يُمحى؛ فقد غِصنا فيه كما غاص فينا، وشكّلت محبّته جذورًا لا تُقتلع.

<
img src=”https://haifanet.co.il/wp-content/uploads/2025/08/IMG_5287.jpeg” alt=”” width=”900″ height=”1200″ class=”alignnone size-full wp-image-105621″ />










حضرت حفل التّكريم شخصيّات دينيّة واجتماعيّة بارزة، كان من ضمنهم النّائب أيمن عودة، الشّيخ رشاد أبو الهيجاء، السيّد جمال شحادة وعدد من الكهنة والشخصيّات الجماهيريّة، حيث شكّل اللقاء لوحة مميّزة جمعت مختلف أطياف المجتمع في رسالة وحدة ومحبّة.
في زمنٍ تعصفُ فيه الانقسامات، وتعلو فيه أصوات الفُرقة، قلّما نجد رجال دينٍ يحملون في قلوبهم نور الله وفي أفعالهم أثر رسالته.. من بين هؤلاء، يسطع كنجم لا يأفل الأرشمندريت أغابيوس أبو سعدى، الذي لم يكن مجرّد راعٍ لكنيسة، بل رسولًا للعطاء والمحبّة، وجسرًا إنسانيًا عابرَ الطّوائف والاختلافات.
منذ أن وطأت قدماه أرض مدينة حيفا، بدا وكأنّ الأرض تعرفه فكان نورًا وضوءَ فجرٍ يبشّر برجاءٍ جديد. تميّز قدس الأب أغابيوس أبو سعدى بنظرته الشّاملة للإنسان، أيًّا كان دينه أو خلفيّته، لأنّه رأى في الجميع إخوةً في الإنسانيّة، تجمعهم كلمة الله ومحبّته العادلة. لقد ترجم إيمانه الحقيقيّ في العمل والتّواصل والمحبّة اليوميّة والتّواضع، لا في الشّعارات والخُيلاء.
ولعلّ أجمل ما ميّز خدمته هو قدرته على وضع المحبّة موضع الفعل، وعلى تعليم من حوله أن الانتماء الحقيقي هو للخير، وأنّ الدين لا يشكّل ذريعةً للانقسام، بل دعوةً للوحدة. رأى في كلّ إنسان مرآة لله، وسعى ليعكس بدوره صورة المحبّة. كرّس جهوده لتعزيز ثقافة التلاقي، ففتح أبواب الكنيسة لفعاليّات مشتركة، وجلسات حوار روحيّة وثقافيّة جمعت رجال دين من مختلف الأديان، وشبابًا يبحث عن الأمل. في كل لقاء، كان يزرع بذرةَ سلامٍ، ويُذكّر الجميع أنّ الله واحد، وأنّ اختلاف الدروب لا يلغي وحدةَ الصّف والهدف.
في قلبِ حيفا، حيث تتعانق المآذن والأجراس، كان الأرشمندريت أغابيوس أبو سعدى منارةً لا تُطفأ، يحمل في صمته صلاةً، وفي كلماته بَلسمًا، وفي حضوره سكينةً تشبه ظلال زيتون فِلَسطين. أحبّ المدينة بكلّ أطيافها، فبادلته الحبّ بكلّ اللّغات.. كيف لا، وقد غدا بشارةً حيّة للمحبّة، لا تُقرأ في الكتب بل تُعاش في الأزقّة والحارات والبيوت. لم يجمع القلوب حول طائفة، بل حول الإنسان ووحّد الأرواح تحت راية الله الواحد. لم يكن راعي رعيّة، بل راعي وطنٍ صغير اسمه التّعايش، يغذّيه بالصّلاة والعمل، فكان بطل حيفا الصّامت..
لم يكن عاديًّا في حضوره، بل كان يحمل في صوته حينًا وصمته أحيانًا رسائل، وفي ملامحه حكمة.. خُلق ليكون استثنائيًّا، لا لأنّ الظّروف سهّلت له الطريق، بل لأنّه فِلَسطينيّ من بيت ساحور، من تلك البلدة التي عجن أهلها الحلم بالألم، وصاغوا من حجارتها صلاةً تقاوم الظّلم. حمل بقلبه الأمل كما الألم كتوأمين.
أجمعت كلمات الإطراء التي ألقيت خلال حفل التكريم على أنّ الأرشمندريت أغابيوس أبو سعدى كان أمينًا في الكلمة، وفي الرعاية، وفي الخدمة الصّامتة المتواضعة، فاستحق كلّ التقدير والمحبّة.
هذا وتخلّل الحفل فقرات فنيّة، قدّمتها الفنانة الحيفاويّة المتألّقة رنا خوري، حيث أطربت الحضور بباقة من التراتيل الروحيّة التي لامست القلوب والنّفوس. وفي كلمته، عبّر الأرشمندريت أغابيوس بكلمات مؤثّرة وصادقة عن اعتزازه بحيفا وأهلها، شاكرًا أهالي حيفا وكل من وقف إلى جانبه وسانده في مسيرته، فجاء كلامه مؤثّرًا نابعًا من القلب.
وللقائمين على حفل التكريم أقول: ما بين “جَلَّ من لا يُخطئ” وسقط عمدًا/سهوًا، فوارق عدّة، اُؤجّل الكتابة عنها لمقالات أخرى، إذ لا يليق هذا المقال بحمل مثل هذه الملاحظات..!
باسمي وبإسم رئيس التحرير راني عباسي وطاقم صحيفة “حيفا” سابقًا، وموقع “حيفانِت” حاليًا، نتقدّم بجزيل الشّكر والامتنان للأرشمندريت أغابيوس أبو سعدى، معربين عن عميق تقديرنا لتعاونك المثمر الذي أسهم في تعزيز صحيفة “حيفا” على مدار سنوات طويلة. نثمّن عاليًا مسيرتك المشرّفة وخدمتك المخلصة لأبناء حيفا، ونعبّر عن فائق احترامنا لما بذلته من جهود دؤوبة في سبيل الخير والوحدة.
إنّك بحقّ، رجل الله والناس.
(حيفا)







