وقفات مع سورة العصر
بقلم الشيخ رشاد أبو الهيجاء
في كتاب الله، نجد سورة قصيرة الكلمات، عظيمة المعاني، جمعت بين الإيمان والعمل، ووضعت ملامح طريق النجاة. يقول الله تعالى:
﴿وَالْعَصْرِ • إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ • إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾
هذه السورة، رغم قِصَرها، لخصت معالم النجاح في الدنيا والآخرة، حتى أن الإمام الشافعي قال عنها: “لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم.”
وكان الصحابة الكرام، كما نقل الطبراني، إذا التقى اثنان منهم لم يتفرقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة العصر ثم يسلم عليه.
لقد أقسم الله تعالى بالعصر، والزمن مخلوق عظيم، لا يقسم به الخالق إلا لعظم شأنه، فهو الوعاء الذي تُسجل فيه أعمال العباد. كل فجرٍ ينشق، يُنقص من عمر الإنسان، وينادي: “يا ابن آدم، أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود مني، فإني لا أعود إلى يوم القيامة.”
وعليه، فإن استغلال الزمن لا يكون إلا بأمرين متلازمين: الإيمان والعمل الصالح. وليس الإيمان مجرد أقوال تُردد، بل ما وقر في القلب وصدّقه العمل. والعمل الصالح لا يقتصر على العبادات من صلاة وصيام وزكاة، بل يمتد ليشمل الأخلاق والمعاملات، والإحساس بكرامة الإنسان وحقوقه.
يقول رسول الله ﷺ: “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.”
فإن كنا نحب لأنفسنا الحياة الكريمة والأمان والرزق الكافي، فكيف نغفل عن إخواننا الذين يقتلهم الجوع والبرد والعطش؟ كيف نغض الطرف عن أنين الأطفال والجرحى، ونحن ننغمس في الولائم والاحتفالات؟ أليس من الإيمان أن نشعر بآلام الآخرين؟
وفي هذا السياق، نعود إلى كلمات عظيمة للشيخ عبد القادر الجيلاني، في أقصر خطبة له قال:
“لقمة في بطن جائع، خير من بناء ألف جامع، وخير ممن كسا الكعبة، وخير ممن قام لله راكع، وخير ممن صام الدهر والحر واقع… فإذا نزل الدقيق في بطن جائع، له نور كنور الشمس ساطع، فيا بشرى لمن أطعم جائعاً.”
هكذا، يصبح الإيمان دافعًا للعمل، ومصدرًا للرحمة، فكل عمل يحبه الله هو عبادة، سواء كان نظافة البيئة، أو إماطة الأذى عن الطريق، أو إعانة محتاج.
وقد نبّه الفاروق عمر بن عبد العزيز إلى قيمة الزمن بقوله:
“إن الليل والنهار يعملان فيك، فاعمل فيهما، ويأخذان منك، فخذ منهما.”
وفي زمن كثرت فيه الشبهات وقلّ فيه المعروف، يغدو العمل الصالح عبادة عظيمة مضاعفة الأجر، كما قال رسول الله ﷺ:
“العبادة في الهرج كهجرة إليّ.”
وأشار أيضًا إلى أبواب الخير الممتدة حتى بعد الموت، فقال:
“إن مما يلحق المؤمن من عمله بعد موته: علماً علّمه ونشره، أو ولداً صالحاً تركه، أو مصحفاً ورّثه، أو مسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل بناه، أو نهراً أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله.”
لكن لتحقيق ذلك، لا بد من عمل جماعي قائم على ركيزتين أساسيتين:
(وتواصوا بالحق، وتواصوا بالصبر).
فالتواصي بالحق ضرورة، لأن الحق يُواجه بتحديات ومجتمعات يغلب فيها الباطل حين يصمت أهل الحق. وكما قال تعالى: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾، فإن الباطل لا يزول إلا بعلو صوت الحق.
ومع التواصي بالحق، لا بد من الصبر، فالثبات على المبادئ يتطلب قوة وعزيمة، خاصة في عالم يزداد فيه الهرج والمرج، وتكثر فيه الفتن. يقول الله تعالى:
﴿إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾
إنها سورة العصر… كلمات معدودة، لكنها ترسم طريق النجاة للأمة: إيمان، عمل، حق، وصبر.
فمن سلك هذا الطريق، سلم.
ومن أعرض، خسر.







