تقرير موقع وجريدة حيفا
شهدت حيفا أحداثًا جمّة، سياسية وعسكرية نظمتها القيادة العربية الحيفاوية آنذاك، لمواجهة خطر احتلال حيفا وتهجير سكانها وصد هجمات القوات اليهوديّة المنظمة ضد الأحياء العربية وسكانها. ومن هذه التحرّكات نشير إلى الأحداث التالية:
تقسيم الأحياء العربية إلى مناطق دفاعية اتخذت اللجنة المحلية الحيفاوية في اجتماعها من تاريخ 27 كانون الأول 1947 قرارًا بتقسيم حيفا إلى عشر مناطق دفاعيّة، وقد حضر الاجتماع المذكور حامية حيفا، القائد محمد الحنيطي.
أما المناطق فكانت: الحليصة، أرض اليهود، درج اليمن، البلدة القديمة، وادي النسناس، حي عباس، حي الزيتون، محطة الكرمل، الكولونية الألمانية، وادي جمال والشاطئ الأزرق.
وقد تولّى القيادة في كل منطقة من هذه المناطق المذكورة قائد عربي، أشرف على عمليات المقاومة في حيّه. وانتخب محمد الحنيطي قائدًا عامًا لحيفا والذي اتخذ قيادته في منطقة وادي الصليب.
أما باقي أعضاء القيادة، فكانوا: (1) محمد الحمد الحنيطي، قائد الحامية العام في حيفا. (2) يونس نفاع، مساعد القائد العام. (3) أمين عز الدين، مساعد القائد العام. (4) أبو محمود سرور الصفوري، قائد المنطقة الشرقية. (5) سرور برهم. (6) محمد توفيق إبراهيم (أبو إبراهيم الصغير). (7) عبد الخطيب. (8) حسن شبلاق. (9) نمر المنصور. (10) ياسين الطيب. (11) أبو علي دلول. (21) أبو إبراهيم عودة.

وتجدر الإشارة الى أن الخلاف وعدم التوافق والانسجام ساد بين القيادات العربية في حيفا، ولم يعملوا معًا بموجب خطة مبرمجة ومدروسة، إنما عمل كل منهم ما يراه مناسبًا وفق الظروف المحلية للمنطقة التي يشرف عليها. وقد ساد الاستياء وعدم الراحة لقلة الأسلحة المتوفرة وانعدام القيادة الحازمة وتعددها، فلكل حي قيادته، والقيادات منقسمة على بعضها، لا صلة تربطهم ولا يوجد تنسيق بينهم أو عمل موحّد مشترك، وكان ما يقوم به مناضلو الحي من حراسة في الليل أشبه ما يكون بعمل فردي يقوم به نفر من الناس. ولم يكن للقيادة العليا في حيفا دراية وعلم في الشؤون العسكرية.
كما تبادلت القيادة المحلية التهم فيما يتعلق بإيصال الأسلحة والعتاد للقيادات في الأحياء، الذي يكتنفه الكثير من الغموض والإبهام.فيذكر عارف العارف في كتابه «النكبة» أنه في كانون الثاني 1947، عقد في دمشق اجتماع حضره العميد الركن طه الهاشمي والمقدم محمود الهندي وكل من عزة دروزه ومعين الماضي وطاهر التميمي، وكان هذا قد وصل حديثًا من حيفا، فأخبر الحاضرين أن الوضع فيها سيء للغاية، وأن بعض البنادق المرسلة إلى حيفا عاطل، والعتاد الفرنسي غير صالح، وأن رشيد الحاج إبراهيم رئيس اللجنة القومية رفض استلام البنادق (250) المرسلة اليه، وأنه لم يستلم منها سوى 89 بندقية.
عندئذ قررت اللجنة إرسال 300 بندقية إلى حيفا، كما قررت تزويد حيفا بـ 15000 طلقة فرنسية و1000 قنبلة يدوية. وكلف أبو ابراهيم الصغير، بنقل هذه الأعتدة وتسليمها إلى رشيد الحاج ابراهيم، فتعهد بذلك، وقال رشيد الحاج ابراهيم، إنه لم يستلم من هذه البنادق من أبي ابراهيم الصغير، سوى 50 بندقية.
تجدر الإشارة هنا إلى أن أبا إبراهيم الصغير (محمد توفيق) كان يأتمر بأوامر الهيئة العربية العليا برئاسة الحاج أمين الحسيني، فتظهر هنا جليًا الخلافات بين قيادة اللجنة المحلية في حيفا واللجنة العربية العليا.
ويذكر أن أبا ابراهيم الصغير أرسل، في الأسبوع الأول من شهر كانون الأول 1947، إلى رشيد الحاج إبراهيم كتابًا جاء فيه: «إن الهيئة العربية العليا قررت أن تتولى أنجاد حيفا، وانتدبت عبد الحق الغراوي العراقي لقيادة حامية حيفا، وأن مكتب الهيئة في بيروت سيمدّ هذا الضابط بالسلاح والعتاد. ولما وصل هذا الضابط حوالي منتصف كانون الثاني إلى حيفا، أخبره رشيد الحاج ابراهيم أنه لا شغل لديه في حيفا…».

استشهاد القائد محمد الحنيطيفي تاريخ 1948/4/17، استشهد الملازم محمد الحنيطي، قائد الحرس الوطني، عندما كان عائدًا من لبنان على رأس قافلة محملة بالسلاح والذخيرة. فوقع في كمين يهودي قرب «كريات موتسكين».
ويقال إن ضابطًا بريطانيًا هو الذي نقل أخبار هذه القافلة إلى اليهود، فجهزوا كمينًا واستطاعوا تفجير القافلة، التي كانت مكونة من خمس سيارات مملؤوة بالأسلحة. وقد سارت القافلة طريق رأس الناقورة، عكا فحيفا.
ويذكر أنه في عكا أوقف شباب من «نادي أسامة» القافلة وأخبروهم عن وجود كمين يهودي، ولكن قائد القافلة الملازم الحنيطي لم يهتم كثيرًا وتابع سفر القافلة. وعندما وصلت القافلة قرب «كريات موتسكين» أطلقت النيران عليها، ودارت معركة حاسمة وقوية، أسفرت عن تفجير السيارات وقتل كل من كان في القافلة.
وفي نفس المعركة أصيب 29 يهوديًا ما بين جريح وقتيل. وقد دمّرت عدة بيوت مجاورة.وقد استشهد في هذه المعركة الآتية أسماؤهم: * محمد الحمد الحنيط، قائد حامية حيفا؛ سرور برهم؛ فخري عبد الواحد البرد؛ عمر الخطيب؛ أحمد خضر موسى؛ أحمد وجيه رحّال؛ يوسف الطويل، علي كسّار؛ حسن سلامة؛ عطالله سلامة؛ محمد ناظم طرطوس؛ محمد مصطفى خليل؛ علي شجاع.
اللجنة القومية لمدينة حيفا تنعى الشهداء وأصدرت اللجنة القومية العليا لمدينة حيفا في 1948/4/19، النعي التالي للشهداء: «هذه قافلة من قوافل الشهداء تلقى ربها عاملة مجاهدة في سبيل الوطن، فإنه لا يسعها إلاّ أن تنعى إلى الأمة العربيّة الكريمة زمرة من خيرة أبنائها ورهطًا من أعز جنودها.
استشهدوا جميعًا نتيجة اعتداء غادر في الساعه الثالثة من يوم الاربعاء 1948/4/17. وأن اللجنة القومية تنعيهم للقيادة العامة لجيش الإنقاذ ولصاحب السماحة ورئيس الهيئة وهي واثقة أن دمهم الطاهر، لا ينسى، قال تعالى {ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله امواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون}.

أمين عز الدين قائد حامية حيفاخلفًا للملازم الأول محمد الحنيطي، الذي استشهد في17 آذار 1948، عهدت اللجنة العسكرية في 22 آذار 1948 إلى السيد أمين عز الدين، من مسرحي قوة الحدود الفلسطينية بمهمة الدفاع عن حيفا وتولّى قيادتها وإقامته آمرًا لحمايتها.
الإنچليز يضرمون الفتنة في حيفا لقد رغب الإنچليز في توتر الوضع وزيادة المناوشات والاشتباكات بين العرب واليهود حتى «إذا دام وقف اطلاق النار بينهم بضعة أيام انزعج الإنچليز فكانوا يحتلون مراكز عالية كسطح عمارة «سلام» وسطح عمارة «الخياط» وسطح عمارة البريد في البرج، فيقومون بإطلاق بعض الرصاصات باتجاه اليهود ورصاصات أخرى في اتجاه العرب فيندلع إطلاق النار بين الجانبين من جديد، ويسقط المزيد من الضحايا العربية ويستولي الهلع والرعب على السكان فتقوم موجه جديدة من النزوح.
الإنچليز يضرمون الفتنة في حيفا ونورد فيما يلي الحادث التالي الذي يثبت نوايا الإنچليز المغرضة والذي ذكره الشيخ محمد نمر الخطيب في كتابه «من أثر النكبة»، قال: «في 14 كانون الثاني 1948 أحضرت مصفّحة بريطانية فتى يهوديًا في الخامسة عشرة من عمره، وأنزلته أمام دار القيادة، طالبة من العرب قتله، وبكى الطفل عندما رأى نفسه في خطر، فأخرج من جيبه كتاب جبر باللغه الإنچليزية، وقال للعرب أنه تلميذ وأنه بينما كان واقفًا أمام بيته في حي «الهدار» قاصدًا مدرسته، مرّت مصفّحة بريطانية فاختطفته وأحضرته إلى هذا المكان.
وما كاد الفتى يتمّ كلامه حتى جاءنا خبر أن إثنين من العرب اختطفتهما مصفّحة بريطانية واتجهت بهما نحو الأحياء اليهودية، ولم يمضِ خمس دقائق حتى ورد خبر آخر عن اختطاف ثلاثة آخرين من العرب. ولكن هذه اللعبة الخسيسة ما فتئت أن اكتشفت، فأعادت السلطات اليهودية العرب إلى أهلهم، وأعادت اللجنة القومية الفتى اليهودي إلى أهله».

كان الجيش البريطاني يدعم القوات اليهودية ويقف معها جنبًا إلى جنب في الرد على عمليات المناضلين العرب، فردّ الجيش البريطاني انتقامًا لنسف السيارة اليهودية في 14 كانون الثاني 1948 التي كانت تجتاز شارع «هشومير»، بتطويق حي وادي النسناس، وقام الجنود الإنچليز بتحطيم النوافذ والابواب ووضعوا المتفجرات أمام منزل شبلي الجدع وفجّروها، فتصدع المنزل ومعه عدد من المنازل المجاورة ويروي شاهد آخر أنه شاهد الإنچليز من نافذة بيته وهم على أسطحة عمارة الكرمليت، وهي العمارة المطلّة على ساحة الخمرة، وهم يطلقون النار على كل غادٍ ورائح من العرب.
ساحات القتال في حيفاشهدت حيفا إبّان عام 1948، عدة مواقع للقتال بين العرب واليهود منها: ساحة الخمرة (كيكار پاريز)، سوق الأبيض، المركز القديم، درج سقيرق المؤدي إلى شارع الكنائس، منطقة الهدار، سوق الخضار، الطرق المؤدية إلى الميناء، بيت النجادة في الحليصة، جسر روشميا، بيت عائلة خوري (بناية «مچدال هنڤيئيم»).
وكثيرًا ما نشب القتال بين العرب واليهود في المنازل ومن على السطوح والأزقة، وأحيانًا اشتبكوا بالسلاح الأبيض وبالأيدي والعصي من بيت إلى بيت.
العمليات اليهودية ضد العربنسف عمارة بشير المغربي: نسف اليهود عمارة بشير المغربي في 16 كانون الثاني 1948، فسقطت على من فيها من نساء وأطفال.
وكانت هذه العمارة واقعة على شارع صلاح الدين، من الناحية الشرقية لحيفا. والعمارة مؤلفة من ثلاثة طوابق.دحرجة براميل المتفجرات على الأحياء العربية السفلى: قام اليهود بين الحين والآخر بدحرجة براميل المتفجرات من مناطق تحكمهم المرتفعة في الهدار والكرمل على الأحياء العربية في البلدة التحتا.

ففي 29 كانون الثاني 1948 دحرج اليهود من أعالي «هدار هكرمل» على حي «العباسية» برميلاً طافحًا بالمتفجرات فانفجر انفجارًا سريعًا، وهدم عددًا كبيرًا من المنازل العربية وقضى على حياة عدد كبير من العرب وزرع الدمار والموت. أرعبت هذه الأعمال العرب وأخافتهم، فاضطروا أن يهجروا منازلهم ويرحلوا عنها درءًا للخطر وحفظًا لسلامة أولادهم وعائلاتهم.
قصف الأحياء العربية: قصف المسلّحون اليهود الأحياء العربية من مدافع الهاون التي نصبوها في حي «هدار هكرمل»، وقد استهدفوا في قصفهم المنازل العربية في شارع «العراق» وشارع «ستانتون» ومحطة السكة الحديدية.
ففي 20 شباط 1948 وعلى أثر القصف المدفعي اليهودي، استشهد في شارع الناصرة ثلاثة من العرب هم: عبد الكريم عويس، فهد محمود أبو جويد، الحاج سليمان إبراهيم الحاوي، وجرح في اليوم نفسه 37 شخصًا.
قتل مدير المدرسة الإسلامية في حيفا، أحمد الحاج: قتل أحمد الحاج، في 28 شباط 1938، من جراء انفجار وقع في كراج «أبي شام» بالحي الشرقي، وأحمد الحاج من خريجي الجامعة الأمريكية وكان قد تولّى إدارة مدارس الجمعية الإسلامية بحيفا، وعمل موظفًا في البلدية.
حرق الشوارع: استغل اليهود عدة خطط عملية للأضرار في الجبهة العربية وإثارة الرعب والخوف لترحيلهم، فيذكر أن القوات اليهودية سكبت البنزين القابل للاشتعال مذوبًا بالزيت في منخفضات البلدة القديمة شارع «ستانتون» وأضرمته ليشتعل، وعندما كان العرب يسرعون لإطفاء النار فيفاجأوا بالمقالع اليهودية التي نصبت في أعلى الشارع لتقتنصهم.
إنفجار في عمارة الحولة: في آذار 1948 انفجر لغم ضخم في عمارة الحولة الواقعة في شارع «ستانتون» بين عمارة سلام وعمارة المستشفى الإيطالي سابقًا.

وكانت عمارة الحولة تستعمل كمكاتب للموظفين العرب، ويقوم اليوم مكان العمارة المنسوفة بناية البنك العربي الإسرائيلي، ويقول حنا نقارة في مذكراته عن هذه الحادثة: «وخرجنا بعد دقيقة لنرى الدمار والضحايا مبعثرة أشلاؤها هنا وهناك، وجاءت الإطفائية وسيارات الإسعاف وقدّمنا ما استطعنا من مساعدة وجلين خائفين أن يكون هناك لغم آخر».
الهجوم على شارع المخلص: شنّ رجال الـ «هاچاناه» هجومًا ليليًا مركّزًا على حي في شارع «المخلّص» عند الدرج المؤدي الى وادي النسناس، قرب عمارة صنبر. ويسرد حنا نقارة، أيضًا، قصة هذا الهجوم في مذكراته، فيقول: «في هذا الحي كانت تقيم عمتي الأرمله «رضا» مع أولادها وبينهم ابنته إڤلين، التي كانت تعمل كاتبة في دائرة حاكم لواء حيفا في جادة بن غوريون اليوم، حيث كانت محطة «إيچد» القديمة.
كنت قد طلبت إلى عمتي عدّة مرات أن ينتقلوا من بيتهم الخطر إلى بيتي في الكولونية الألمانية قريبًا من محل عمل إڤلين، فلم يقبلوا، لم يكونوا راغبين في ترك بيتهم الذي عاشوا فيه سنوات عديدة.
وتعرض البيت ليلتها للهجوم، ودخل أفراد الـ «هاچاناه» إلى البيت وأطلقوا النار، فقتلت إڤلين فورًا، بينما أصيب أخوها يوسف، بجراح في رجله. وهكذا فقدت هذه العائلة الفقيرة المسالمة معيلتها الوحيدة، لا لذنب إلاّ لأنها تقيم في حي وقع قربه قبل يوم أو اثنين حادث ذهب ضحيته أحد اليهود».
هذه صورة عن المآسي التي كانت تمرّ على حيفا يومًا بعد يوم. فكانت الأخبار تنتشر بسرعة متلاحقة عن القتل والاستشهاد والانفجارات المتكرّرة والسيارات الملغومة والمواجهات العسكرية…

الهجوم على العمال في «الريفاينري»: كان ذلك يوم الثلاثاء 1947/12/30 وفي الساعة العاشرة والنصف صباحًا، وصلت سيارة خصوصية قرب معامل تكرير البترول «الريفاينر، تقلّ عناصر من منظمة الـ «إتسيل» وألقت قنبلتين على أكثر من مائة عامل عربي، كانوا متجمهرين أمام المكتب، وكان معظمهم من الفقراء الذين وصلوا للمكان للبحث عن لقمة العيش، وقتل جراء ذلك ستة من العمال العرب وجرح خمسون عاملاً عربيًا.
مجزرة بلد الشيخ: بلد الشيخ، هي قرية عربية مجاورة لحيفا تعرف اليوم باسم «تل حنان». وقد سميت ببلد الشيخ نسبة للشيخ «الصوفي»، عبد الله السهلي الذي عاش بها أيام الحكم العثماني.المجزرة: في ليل 31 كانون الأول سنة 1947، حدثت مجزرة في بلد الشيخ نفّذتها القوات العسكرية اليهودية من الـ «پلماخ» و«كرميلي» ضد السكان العزّل في القرية.
وقد تولّى قيادة المجزرة حاييم آڤينوعم، نائب قائد الـ «پلماخ» في حيفا. الذي تولّى قوة مؤلفة من 170 عنصرًا طوّقت بلد الشيخ، وقامت بحرق وقتل كل من شاهدته في طريقها؛ وأسفرت المجزرة عن مقتل 60 عربيًا من الأطفال والنساء والرجال.
أما ما جاء عن شهود العيان فقد قالت الحاجة بهيه حمد إسماعيل جرادات، من مواليد سنة 1915 ما يلي: «كانت بلد الشيخ مجمع للعمال العرب القادمين من كل النواحي من أجل لقمة العيش، للعمل في حيفا.
في الميناء، في سكة الحديد، في معامل تكرير البترول والمصانع والمشاغل الأخرى. بدأ الهجوم في الساعة الحادية عشرة مساءً، وكانت السماء مقمرة، كان الناس خائفين من مهاجمة اليهود للقرية، مما دفع البعض للقيام بأعمال الحراسة، خصوصًا في الجهتين الشرقية والشمالية، لكن الهجوم جاء من الجهة الجنوبية (القبلية) من جهة الجبل ومن جهة الغرب. دخل اليهود القرية بأسلحة حديثة والسلاح الأبيض، وأخذوا يلقون القنابل على البيوت ويذبحون الناس بالسكاكين والبلطات.

وقد أُبيدت عدّة عائلات، مثل: أبو الشريف، وأبو رزق، حيث أبيدوا بالكامل. أما العبد (أم أسعد) فقد قتلوها مع أطفالها الثلاثة، وكان أحدهم يبلغ (7) أيام، وتمّ ذبحهم بالسلاح الأبيض.
أما حلوة سنوسة، فقد بقروا بطنها وهي حامل! وقد ذبح اليهود لعائلة أبو رزق، ستة أطفال وكان نائمًا حينما، وعندما أيقظوه قالوا له: قوم يا أبا رزق شوف أولادك شو صار فيهم، وعندما رأى ذلك فقد عقله وانجن»!
أما سلمان عبد الله اللبد، فكان بحوزته بارودة اشتراها من الشام بـ(300) ليرة وكان يسكن معه ابنه محمد، وعندما بدأ الهجوم، أغلق الأبواب والشبابيك ووضع خلفها الطاولات، الكراسي، وأثاث البيت، كي لا يستطيع المهاجمون فتح الأبواب أو الشبابيك، لكن اليهود هجموا على البيت بالقنابل، ودخلوا الدار ودارت معركة حامية داخل البيت ودافع سلمان عبد الله عن نفسه حتى انسحب اليهود.
أما ما حدث للحاج عوض جرادات وأفراد عائلته؛ فقد تعرّض لهجوم بالقنابل على بيته، وألقيت القنابل داخل البيت، وقد جرح جميع أفراد العائلة، وصعدت زوجة ابنه على سطح المنزل تستغيث وتطلب العون من مخيم الجيش الأردني الذي لم يكن بعيدًا، وكانت تصيح وتصرخ: «وين رجال عبد الله» لكن لا مجيب ولم يحرّك الجيش الأردني ساكنًا!!
التهجير: في 24 نيسان سنة 1948 حاصرت وحدات من الـ «هاچاناه» القرية وطلبت من السكان تسليم أسلحتهم، وقد تمّ فعلاً تسليم (22) بندقية، وطلب السكان هدنة لجمع ما تبقّى من الأسلحة لكن الـ «هاچاناه» رفضت ذلك الطلب وهدّدت بالهجوم إن لم تتسلّم بقيّة الأسلحة. وعند الساعة الخامسة صباحًا فتحت الـ «هاچاناه» النار من المدافع الثقيلة والرشاشات، مع أنه لم يصدر من القرية أي رد فعل تقريبًا على إطلاق النار.

وقد هجّر السكان تحت إشراف القوات البريطانية، بعضهم إلى عكا والبعض الآخر إلى جنين، وغيرها من المناطق العربية.المقاومة العربية في حيفانفذت المقاومة العربية العديد من العمليات العسكرية ضد الأهداف اليهودية لحماية حيفا ومنع سقوطها بيد اليهود.ففي 14 كانون الثاني 1948، نسف المناضلون العرب، سيارة يهودية كانت تحمل ألغامًا، وهي تجتاز شارع «هشومير»، ولقد تهدمت العمارة وتصدّع عدد كبير من المنازل المجاورة لها،
ويقول المحامي صلاح العباسي في مذكراته عن «مصرع حيفا»: إنه تضرّرت في هذه الحادثة خمس عشرة دارًا يهودية وأربعة منازل عربية.
الهجوم على معامل التكرير:هاجم العرب في أوائل شهر شباط من سنه 1948 معامل التكرير التابعه لشركة بترول العراق، تلك المعامل الواقعه بين حيفا وعكا في منطقة «الريفاينري»، وكان هذا الهجوم ردًا وانتقامًا للقنبلة التي وضعها اليهود في الحي العربي في البلد التحتا، وكانت خسائر اليهود فادحة.
تفجير عربة بريد: فجّر العرب عربة بريد وذلك في تاريخ 1948/1/14 في المنطقة اليهودية، وأصيب نتيجة ذلك 45 يهوديًا.
الكمين: وفي أواخر شهر آذار 1948، نصب العرب كمينًا لقافلة يهودية كانت متّجهة نحو كيبوتس «يحيام» وقضوا على كل من كان في القافلة.
وتوالت الاشتباكات يوميًا، واشتدّت وطأتها في الأيام الأخيرة التي سبقت انسحاب الإنچليز من المدينة. وفيما كان العرب في حيفا يفكّرون في أحسن الطرق لدرء الشر عنهم وفي الانتقام من اعدائهم، انسحبت السريّتان الأردنيتان، الثانية والرابعة، من سرايا الجيش العربي اللتين كانتا ترابطان في حي النبي شعنان ويدعى الحلقة، وفي منطقة «بيت چاليم»، وقد أصيب العرب بالخيبة نتيجة هذا الانسحاب الذي لا مبرر له.

الخطة العسكرية اليهوديّة لاحتلال حيفا وكانت القوات اليهودية قد وضعت خطّة متكاملة لاحتلال حيفا، أطلقت عليها اسم «מספרים» (مسپارايم – مقصّ)، وتتلخّص فكرة الخطة على تمزيق الحي العربي إلى ثلاثه أقسام، توطئةً لاحتلاله، وفقًا للأسلوب التالي:
أ) مهاجمة «بيت النجادة» في حي الحليصة ووادي روشميا – شرق المدينة – من قبل سرية لواء «هاجاناه» – كرميللي.
ب) زحف قوة كبيرة من «هدار هكرمل» متجهةً مباشرةً نحو الحي الغربي القريب من الميناء، أي مهاجمة شارع «ستانتون» عن طريق درج الأنبياء واحتلال دار «سليم الخوري»، (مچدال هنڤيئيم حاليًا)، حيث تسيطر على مفرق البرج.
ج) فرقة ثالثة تخرج من المركز التجاري الجديد – «هبانكيم» – حيث تسيطر على شارع اللنبي، وتتحصّن بدار «سلام»، أول دار واقعة على المفترق بين شارع ستانتون واللنبي، المؤدي إلى ساحة الخمرة أو الحناطير، (ساحة پاريس) اليوم.
أوامر قيادة الـ «هچاناه» للهجوم على حيفا:
– التجمع في القواعد الآتية: الأنبياء 17، قاعدة «بوروفسكي»، قاعدة «ماي».- تبدأ ساعة الصفر الساعة الواحدة بعد منتصف الليل. – بعد الانتهاء من القصف المدفعي يبدأ الهجوم بقوة وعزم، بهدف قتل كل عربي تصادفونه. – أرسل لكم زجاجات حريق لحرق كل هدف يمكن حرقه. – أرسل لكم مناشير بالعربية لتوزيعها على طول الطريق. – أرسل لكم رجال التفجير وبحوزتهم حقائب لتفجير مداخل البيوت.- أرسل لكم السندويشات. – التمسك بكل موقع محتلّ وعدم الانسحاب منه من دون أوامر.
أحداث احتلال حيفاالساعة السابعة مساءً من يوم 1948/4/21، شرع اليهود بمهاجمة الأحياء العربية المنعزلة والخارجة عن المناطق المحددة في بلاغ الجنرال «ستوكويل».
وأخذ الحرس الوطني العربي بالدفاع وردّ الاعتداء، ولكن الهجوم اليهودي ازداد شدّة ساعة بعد أخرى.الساعة الحادية عشرة ليلاً من 1948/4/21، بدأ اليهود يستعملون مدافع الهاون ضد الأحياء الآهلة بالسكان العرب، وأصيب مستشفى «الأمين» بعدّة قنابل هدّمت قسمًا منه، وقتل قسم كبير من المرضى الموجودين فيه!
كما أن المدافع أصابت الكثير من المنازل، فقُتل وجرح كثيرون من النساء والأطفال والرجال. حوالي الساعة الخامسة من صباح يوم الخميس 1948/4/22، جرت اتصالات أخرى بين المحامي جورج معمّر، بصفته المسؤول عن مكتب الارتباط العربي – البريطاني، وبين مختلف سلطات الجيش، بقصد إرسال سيارات الإسعاف لنقل الجرحى العرب إلى المستشفيات، فامتنعت عن ذلك.

ثمّ طلب معمّر انتداب حرس عسكري لمرافقة سيارات الإسعاف الوطنية للقيام بهذه المهمة الإنسانية الملحّة، لكن سلطات الجيش رفضت رفضًا باتًا أن تقدّم أية مساعدة. وفي الساعة الخامسة صباحًا من يوم الخميس 1948/4/22، اتّصل فريد السعد بالقنصل السوري، ورجاه إخبار الحكومات السورية واللبنانية والأردنية، ووزير مصر في الشام عن مذبحة حيفا.
في الساعة السادسة والنصف صباحًا من اليوم ذاته، اتّصل فريد السعد بحاكم لواء حيفا وأخبره أن الجيش لم يقدّم أية مساعدة للسكان العرب، ولم يوقف هجوم اليهود على الأطفال والنساء، وأن العرب في حيفا لم يحصلوا حتى على المساعدات الإسعافيّة؛ وقد حمّله والجنرال كل مسؤولية في المحافظة على أرواح الناس وأملاكهم.صبيحة يوم الخميس 1948/4/22 أيضًا، واصل اليهود هجومهم الشديد؛ فاضطر الآلاف من النساء والأطفال والشيوخ والرجال إلى الهرب، عبر شارع الملوك، إلى داخل الميناء والبرج.
وقُتل عدد من النساء والأطفال المذعورين في شارع الملوك وفي داخل الميناء، ونُقل اللاجئون المذعورون – من أطفال ونساء – بواسطة المراكب إلى عكا، وصور وصيدا.
في الساعة السادسة من مساء الخميس 1948/4/22، اجتمع السادة: ڤكتور خيّاط، جورج معمّر، فريد السعد، أنيس نصر، وإلياس كوسا، وكتبوا احتجاجًا شديدًا وقدّموه لقائد القوات البريطانية في حيفا.
وفيما يلي النص المترجم لهذا الاحتجاج: «إحتجاج القيادة العربية في حيفاحضرة القائد العسكري للمنطقة الشمالية في حيفا22 نيسان 84911. لقد أتيح للجنة القوميّة العربية في حيفا درس محتويات بلاغكم المؤرخ في 21 الجاري الذي سلّمتموه إلى قائد الحرس الوطني العربي في حيفا بشأن المحافظة على الأمن والنظام في المدينة إلى أن يعمّ جلاء قوات جلالته عن فلسطين نهائيًا.
2. إن اللجنة لتلاحظ باهتمام عميق أن رغبتكم هي تأمين الهدوء في أنحاء المدينة المبينة في البلاغ المذكور أعلاه تاركين الأقسام الأخرى عرضةً للاضطرابات والفوضى؛ ولهذا فهم مضطرّون حيال هذه الظروف أن يسجّلوا احتجاجهم الشديد على هذا العمل، والذي هو خرق ساطع لسياسة حكومة جلالته المعلنة، من أنها هي وحدها المسؤولة عن حفظ النظام حتى الخامس عشر من شهر أيار سنة 8491، وأنهم لمقتنعون أن موقفكم هذا مضرّ في مصالح العرب، لأنه يضع مواطنيهم في مواقف حرجة ويعرّضهم لأضرار خطيرة، بسبب استمرار القنّاصة اليهود في إطلاق النار من أوكارهم المشرفة على المناطق العربية.
.jpg)
إن الحوادث الأليمة التي وقعت في الليلة السابقة عندما أطلق اليهود النار والقنابل من دون تمييز على المستشفى العربي، وعلى الأحياء الآهلة بالسكان في البلدة القديمة وفي وادي النسناس، والقسم الشرقي من المدينة، والتي نتج عنها إصابات كبيرة من قتلى وجرحى، لهي دليل ساطع على خطأ التدبير الذي قررتموه، مما يشكّل خرقًا للواجبات القانونية والأدبية الملقاة على عاتق الحكومة بالمحافظة على الأمن والنظام وحماية أرواح السكان وأموالهم.
وإنّا نقول بدون تردّد إن المسؤولية عن قتل الأبرياء بقنابل اليهود ونارهم، قتلاً وحشيًا، وبتشجيع – لا بل بتحريض ناشىء عن هذا التدبير – إنما تقع على عاتقكم وحدكم.
3. ولا ترى اللجنة ضرورة، بأن تؤكد بأنها كانت مخلصة وصادقة في مواقفها الرامية إلى مساعدة السلطات، في المحافظة على الأمن والنظام، ولكم في النداءات العديدة التي وجّهتها إلى السكان العرب، وفي المناشير التي وزّعتها من وقت إلى آخر بين أفراد طائفتها، إثبات كافٍ عن حسن مقاصدها وإخلاصها في بياناتها، ولا ريب أن الموظفين الإداريين البريطانيين وضباط الجيش والبوليس يؤيدون هذا كل التأييد. ولا يخامر اللجنة أدنى شك بأن موقفها بهذا الصدد كان فوق كل شبهة، ونؤكد لكم أن ما تشكون منه في بلاغكم بخصوص هذه الاصطدامات، كان اليهود فيها معتدين والعرب مدافعين.
4. تقترح اللجنة أن توضع دوريات عسكريّة، كافية ليلاً ونهارًا، في جميع الأماكن المعرّضة لوقوع اصطدامات بين العرب واليهود، إذا كان لدى السلطات النيّة المخلصة في المحافظة على الأمن والنظام في المدينة، إلى أن تجلو قوات جلالته نهائيًا عن فلسطين. ومن الضروري خاصةً أن يشمل المشروع المدرج في بلاغكم مناطق شوارع اللنبي، الحجاز، الناصرة، والعراق لأن اللجنة تعتقد أن استثناء هذه الشوارع من المشروع من شأنه أن يتيح لليهود فرصًا عديدة للقيام بهجوم دموي على العرب الأبرياء الساكنين، أو الذين يقومون بأعمالهم اليوميّة في تلك المناطق.
.jpg)
ولقد تحقّق هذا الاعتقاد بالهجوم الدموي الذي قام به اليهود على العرب الأبرياء المقيمين في هذه المناطق والعاملين فيها. وما يلاحظ أن مشروعكم يحمي كافة الطرق ذات الأغلبية العربية التي يستعملها اليهود خلال قيامهم في أعمالهم التجارية، ولكنه يحرم من هذه الحماية الطرق التي يتردّد عليها العرب خلال أعمالهم وأشغالهم اليومية.
5. ونريد رغم الحوادث الأليمة التي وقعت في الليلة السابقة أن نؤكد لكم استعدادنا للسير بموجب السياسة التي اتبعناها حتى الآن، بأن نتعاون إذا بقيت الشوارع والمناطق العربية المهمة المذكورة في الفقرة السابقة من هذه المذكرة غير مشمولة بالحماية المؤمنة بالمشروع المذكور في بلاغكم (المؤرخ 21 الجاري).
6. ونحن نأمل بأن تعيدوا النظر في هذه المسألة على ضوء المطالب المدوّنة أعلاه، وأن تتّخذوا الإجراء السريع الضروري لتأمين استتباب الأمن والنظام في جميع أنحاء المدينة، وأن تمنعوا أي اعتداء آخر من قبل اليهود على العرب. لقد بلّغنا عن الحوادث التي تجري الآن في المدينة إلى الدول العربية، وأكدنا لها سوء نيات السلطات البريطانية، وأن هذه السلطات قد رفضت تقديم أية مساعدة لإنقاذ النساء والأطفال من هجوم اليهود، رغم الالتماسات العديدة المتكرّرة التي وجهها للسلطات العسكرية والمدنية في هذه المدينة جورج معمّر، المسؤول عن مكتب الارتباط، وفريد السعد، أحد أعضاء هذه اللجنة.المخلصون: ڤكتور خيّاط، جورج معمّر، فريد السعد، أنيس نصر، إلياس كوسا»
«ملحق: إننا نشعر بحزن وألم مريرين، من عدم إظهار أي شعور إنسانيّ من قبل السلطات البريطانية، لتقديم الإسعاف للجرحى، رغم النداءات الملحّة؛ فهناك عدد كبير من الأشخاص يتألمون من جروح خطيرة ملقون في الطرق والأبنية، وقد مات أكثرهم لتعذّر تقديم الإسعاف لهم.
إن جميع المحاولات التي قامت بها الخدمات الطبيّة العربية لمساعدة هؤلاء الجرحى فشلت من جراء أعمال القناصة اليهود وهناك حوادث إطلاق النار على سائقي سيارات الإسعاف والممرضات وجرحهم أثناء قيامهم بهذه الخدمات الإنسانيّة.الإمضاءات: ڤكتور خيّاط، جورج معمّر، فريد السعد، أنيس نصر، إلياس كوسا»

في الساعة العاشرة من صباح الخميس 8491/4/22، توجّه وفد عربي، مؤلّف من السادة الموقعين على مذكرة الاحتجاج المقدمة للجنرال «ستوكويل»، وكان من المفروض أن ينضم للوفد الشيخ عبد الرحمن أفندي مراد، بصفته نائب رئيس اللجنة القوميّة العربيّة، ولكنه لم يستطع ذلك بسبب اشتداد إطلاق العيارات النارية وقنابل الهاون والمدافع من قبل العساكر اليهودية.
قابل الوفد الجنرال بحضور حاكم اللواء والقنصل البريطاني «المستر مريوت» و«الپريجادير جونسون»، وغيرهم من كبار الضباط البريطانيين، وقدّم لهم الوفد احتجاجه وشرحوا لهم حراجة الموقف وطلبوا توقيف الهجوم اليهودي على الأحياء العربيّة، الذي بدأ يأخذ صبغة مجزرة بشرية، وذكروا له أن الجثث ما زالت ملقاة في الشوارع. إلاّ أن الجنرال «ستوكويل» رفض أن يعمل شيئًا، إلا إذا قبل العرب بعقد هدنة مع اليهود. وفشل الوفد في مساعيه عند الجنرال!
«محضر لقاء الوفد العربي مع الجنرال ستوكويل من الهيئة التنفيذية العربية بحيفانحن «الموقعين إمضاءاتنا أدناه»، قابلنا اليوم الجنرال ستوكويل، بحضور حاكم لواء حيفا، والقنصل البريطاني و«الپريجادير جونسون»، بخصوص ذبح العرب من قبل اليهود الجاري الآن في حيفا. وقد أخبرنا أنه غير مقتدر، ولذلك غير مستعدّ أن يحارب اليهود، ويضع حدًا لهذه المذبحة، وأنه لا يقبل بالسماح لرجال عرب مسلّحين بالدخول إلى المدينة لمساعدة السكان العرب، وأن همّه الأوّل هو المحافظة على الطرق والمناطق المشغولة من الجيش.
.jpg)
وقد أشار أيضًا أنه يستطيع التوسّط لدى السلطات اليهودية لعقد هدنة، وهو سوف يتدخّل فقط إذا قبلنا المفاوضة لعقد هدنة.22 نيسان 1948الإمضاءات: ڤكتور خيّاط، فريد السعد، إلياس كوسا، أنيس نصر، جورج معمر»
حيال هذا الموقف المتحيّز الذي وقفه الجنرال ورفاقه ورغبة في وضع حد سريع لقتل العرب الأبرياء، قال الوفد مرغمًا للجنرال، إنه مستعد لعقد هدنة، وطلب إليه أن يخبره عن شروطها؛ فانسحب الجنرال ورفقاؤه من غرفة الاجتماع، مدعيا انه سوف يتصل باليهود للحصول عليها، وبعد مدّة وجيزة من الزمن لم تتجاوز الخمس عشرة دقيقة، رجع إلى الغرفة مع رفقائه، وتلا على الوفد مسودّة شروط مطبوعة، فاعترض الوفد على كثير منها، وطلب زيادة شرط ينص على أن التوقيع على الهدنة لا يتضمّن أي اعتراف منه بقيادة الـ «هاچاناه» أو بأي تغيير أو تبديل بالوضع السياسي؛ وكتب الجنرال الملاحظة التي أبداها الوفد ووعد بمقابلة اليهود، وتمّ الاتفاق على عقد اجتماع بين الوفد وبين ممثلي اليهود بحضوره وحضور حاكم اللواء ورئيس بلدية حيفا، للنظر والبحث في شروط الهدنة.

شروط قيادة الـ «هاچاناه» لعقد هدنة في حيفا
1) تجريد العرب تجريدًا كاملاً من الأسلحة على اختلاف أنواعها، ومن جميع المتفجّرات والعتاد والسيارات العسكرية بدون استثناء.
2) تسليم جميع الأسلحة الموصوفة أعلاه خلال ثلاث ساعات في الأماكن التالية: أ. بالقرب من جسر روشميا ومقابل مكاتب المجلس الشرقي.ب. زاوية شارع ستانتون والبرج.ج. مدخل المركز التجاري القديم.د. محطة «إيچد» في جادة الكرمل.على أن تبقى هذه الأسلحة في حيازة السلطات العسكرية البريطانية حتى 51 أيار 8491 أمانة لتسليمها للـ «هاچاناه».
3) إزالة جميع الحواجز التي أقامها العرب في الشوارع، وعدم عرقلة حركة السير تحت إشراف السلطات العسكرية البريطانية.
4) جميع الذكور الأجانب يجتمعون في محلاّت تعينها الـ «هاجاناه»، ويغادرون فلسطين خلال 42 ساعة تحت المراقبة العسكرية.
5) النازيون الأوروپيون يسلّمون للسلطات العسكرية.
6) إعلان منع التجوّل مدة 42 ساعة على جميع الأحياء والمنازل العربية لتأمين تجريد الأهالي العرب من السلاح.
7) عدم تسليم الأسلحة ضمن المدّة المعينة يعتبر جرمًا يعاقب عليه.
8) عند انتهاء نظام عدم التجوّل يكون لكل شخص في حيفا الحق بأن يقوم بحرية بعمله الاعتيادي.
9) يقوم العرب بأعمالهم في حيفا كمواطنين أحرار ذوي حقوق متساوية، ويتمتّعون بجميع الخدمات مع سكان المدينة الآخرين.
10) أي اجتماع للفريقين يعقد في دار بلدية حيفا.

جرت مناقشه طويلة على هذه الشروط التي رأى الوفد أنها مجحفة وهدّامة لحقوق العرب، وقد رفض اليهود من جهة أخرى إضافة ما اقترحه الوفد للجنرال. وقد شعر الوفد العربي والحالة هذه، أنه من الواجب عليه أن يعود إلى استشارة أخوانه في هذه المسأله الخطيرة، وطلب منحه 42 ساعة لدرس الشروط مرةً ثانية مع أخوانه وليتمكّن من الاتصال بالدول العربية بهذا الشأن.
لقد رفض اليهود والجنرال «ستوكويل» منح الوفد هذه المدّة للتشاور والاستشارة، وصرّح الجنرال بكل وضوح أنه يجب التوقيع على الهدنة هذا المساء، حتى يتحاشى العرب وقوع 003 إلى 004 إصابة أخرى بينهم.ووافق الطرفان بعد إلحاح شديد على التأجيل حتى الساعة السابعة مساء.
عاد الوفد العربي إلى منزل ڤكتور خيّاط، وعقد اجتماعًا ثانيًا حضره عدد كبير من زعامة عرب حيفا، وتُليت عليهم شروط الهدنة، وبيّن لهم بصورة واضحة ما يتضمن التوقيع على هذه الشروط من مسؤوليات جسيمة.
كما بيّن لهم النتائج الوخيمة التي قد تنتج عن عدم التوقيع كما صرح الجنرال للوفد.وتدارس أعضاء الوفد الموضوع وتداولوا مليًا في الأمر قبل رجوعهم لدار البلدية لمقابلة الجنرال وممثلي اليهود، وقرروا أنه من العار أن يقبل «أهالي حيفا العرب» عقد هدنة تمليها عليهم قيادة الـ «هاچاناه»، متجاهلة حقوق العرب. حضر الوفد العربي الاجتماع المقرّر في دار البلدية مع ممثلي اليهود والقائد البريطاني، وأفصحوا عن قرارهم برفض الشروط المقدمة إليهم من الـ «هاچاناه».

وقد قدم الوفد آنذاك مذكرة للجنرال «ستوكويل»، يثبت فيها تصريحاته التي فاه بها في الجلسة السابقة بشأن النتيجة الحتميّة لرفض التوقيع على وثيقة الهدنة. وفيما يلي صورة مترجمة عن هذه المذكرة «حضرة القائد العسكري للمنطقة الشمالية – حيفا نقدم هذه المذكرة إثباتًا للتصريح الذي أبديتموه في هذا الاجتماع المنعقد في دار البلدية يوم الخميس الموافق 22 الجاري وذلك:
أ) إنه إذا لم يقبل العرب شروط قيادة الـ «هاجاناه» لعقد هدنة، فهجوم اليهود الآثم على الأحياء العربية سيجدّد، وينتج عنه إصابات تتراوح ما بين 003 و400 قتيل وجريح.
ب) وأنكم لستم قادرين ولا مستعدين لاتخاذ إجراءات فعّالة لمنع الهجوم.ونريد أن نكرّر القول الذي أبديناه في ذلك الاجتماع أن رحيل العرب عن المدينة هو اختياري محض وسيجري بناءً على طلبنا، لكن الدافع الأكبر لهذا الطلب هو رفضكم اتخاذ أي إجراء لحماية أرواح الآهلين وممتلكاتهم.8491/4/22) الساعة السابعة مساءً) التواقيع: ڤكتور خيّاط، فريد السعد، إلياس كوسا، أنيس نصر، جورج معمر»
سقوط حيفاومع فجر 8491/4/22 هاجمت القوات اليهودية حسب خطّتها الأحياء العربية، وحدثت اشتباكات ضارية بين الحرس الوطني العربي وقوات الـ «ايتسل» والـ «ليحي».
كان عدد المقاتلين اليهود في حيفا ما يربو عن 12 ألف مقاتل. وقاموا باحتلال عمارة سكة الحديد والبريد بعد أن انسحبوا منها الإنچليز.وحدثت معارك ضارية في حي الحليصة، وحارب العرب واستبسلوا حتى أن نفذت معدّاتهم وسقطت حيفا يوم 8491/4/22 بأيدي القوات اليهودية.

ولما عمّ خبر رفض اللجنة القومية العربية لشروط الصلح المقترحة، وبسبب الإشاعات التي انتشرت حول أعمال العنف والقتل والسلب في الأحياء العربية، وانسحاب قوات المناضلين من مواقعهم وانفلات زمام الأمور في حيفا من أيدي القيادة العربية واللجنة القومية، فقد دبّت الفوضى في كل مكان وانصرف السكان العرب يهيئون أنفسهم للرحيل، ويتدفّقون إلى الميناء بالألوف رجالاً ونساءً وأطفالاً.
وقام الجيش البريطاني بدور فعّال بترحيل العرب من حيفا، برًا إلى جنين والناصرة، وبحرًا إلى عكا ولبنان، وفتحوا لهم أبواب الميناء وطلبوا منهم أن يلجأوا داخلاً إلى ساحات الميناء، وعندما أصبحوا في داخل الميناء أقفلوا البوابات ومنعوهم من الخروج وأجبروهم على مغادرة حيفا بحرًا.
.jpg)










