تقرير: ايمان محاميد
تصوير: وائل عوض
نحيي هذا العام مرور 36 عاما على يوم الأرض الخالد في الثلاثين من آذار. هذا اليوم الذي هب فيه شعب بأكمله معلنا الإضراب العام، والنضال الشعبي دفاعًا عما تبقى له من الأرض، والتصدي لمخطط تهويد الجليل، والذي تمثل بمصادرة مساحات واسعة من أراضي العرب، بـهدف توطين اليهود وتغيير الطبيعة الديمغرافية للجليل.
هذه المنطقة التي يسكنها أصحابها الأصليين من أبناء الشعب العربي الفلسطيني، ويعيشون بكثافة تزيد عن عدد المستوطنين اليهود. لقد كان التحرك الشعبي العربي سلميًا، وهدف إطلاق صرخة احتجاج ضد هذه المؤامرة.
وفي الوقت ذاته كان تعبيرا عن تمسّك المواطن العربي بحقه في الحياة الكريمة والنمو والتطوّر على أرض آبائه وأجداده، وفي وطنه الذي لا وطن له سواه.
إلا أن السلطة، ومع سبق الإصرار، قررت تحويل هذا اليوم إلى يوم دامٍ آملة من ذلك تلقين المحتجين درسًا وإرهابهم، حتى تواصل مخططها. فسقط في ذاك اليوم، الثلاثين من آذار، ستة شهداء في الجليل والمثلث.
وهكذا أطلق على هذا اليوم يوم الأرض، والذي تحول إلى يوم كفاحي يحيي ذكراه شعبنا الفلسطيني في كافة أماكن تواجده في البلاد والدول العربية ودول الشتات في العالم.
لقد كان يوم الأرض بأحداثه وبالتطورات اللاحقة له، محطة هامة على طريق نضال جماهير شعبنا الفلسطيني الباقية في وطنها.
وثبت في يوم الأرض أن هذا الشعب الذي أرادوا إرهابه، ليس جبانا ولا خانعا، بل هو قادر على توحيد صفوفه، والوقوف بكل بسالة في وجه أعدائه والطامعين فيه، وأصبح هذا الشعب مصرا على نيل حقوقه مرفوع الهامة موفور الكرامة.
وانقلب السحر على الساحر، حيث بدأت السلطة في التفكير بطرق جديدة للتعامل مع هذا الشعب، بعد أن تأكدت أن الإرهاب والقمع لا يزيداننا إلاّ قوة وصمودًا.
الشعب الأصيل الذي صنع يوم الأرض، أدرك الأهمية الكبرى للحفاظ على تخليد هذا اليوم بأحداثه، بدروسه وعبره، زادًا وزوادًا لشعبنا على طريق نضاله العادل والشاق، وصولاً إلى تحقيق أهدافه .
وبمناسبة ذكرى يوم الارض التقت جريدة حيفا مع عضو الكنيست السابق عصام مخول لنحاول إلقاء أضواء أخرى على أحداث هذا اليوم الخالد، يوم الأرض، والمقدمات التي سبقته، وكذلك التآمر المتواصل على الأراضي العربية ….
التعامل مع الارض ليس فقط كسلعة أو كمصدر رزق إنما كقطعة وطن
لا يمكن الحديث عن يوم الأرض 30 آذار عام 1976، بدون التطرق إلى عدد من الرموز الذين شكلوا محورا حاسما في هذه المعركة، معركة الدفاع عن الأراضي، مثل حنا نقارة حيث سنحيي ذكراه في أمسية هامة بعنوان:
"حنا نقارة محامي الأرض والشعب" وذلك بصدور كتاب جديد عنه بمناسبة مرور مائة على مولده، وصدر الكتاب عن مركز الدراسات الفلسطينية.
وأما الأمسية ستقام في قاعة كنيسة الروم الأرثوذكس، الساعة الخامسة. رسخ حنا نقارة في ذاكرة القومية العربية عامة وفي الذاكرة الفلسطينية خاصة، بضرورة المواجه الأساسية في معركة يوم الأرض حفاظا على البقاء في الوطن عام 1948، وخاض معركة عن الدفاع عن الأراضي والأوقاف والمقدسات ضد المصادرة، ضد هدم القرى وتشريد أهلها.
إنه يرمز إلى هذه المواجهة حتى من قبل قيام إسرائيل مع الذين كانوا يبيعون الأراضي من الإقطاعيين. إنها عملية حتمية لتثبيت حق الشعب الفلسطيني وقضيته.
إن التعامل مع الأرض ليس كسلعة أو كمصدر رزق أنما كقطعة وطن، تراث، ووجود. وأعتقد ستبقى هذه المعركة المحورية في وجدان شعبنا لسنين طويلة.
حنا نقارة يمثل امتدادا لمسالة الأرض
حنا نقارة هو أحد المؤسسين المركزيين للجنة الدفاع عن الأراضي والموجه لها من الناحية القانونية. وساهم في بناء القوى السياسية من الشعب الذي يعاني الاضطهاد والتمييز ومصادرة الحقوق ومصادرة الأرض، وتحويله إلى قوة سياسية موحدة تواجه قوى السلطة.
حنا نقارة يمثل التيار السياسي، وكان صديقا دائما لعصبة التحرر الوطني منذ تأسيسها، وانضم إلى الحزب الشيوعي، فهو يمثل هذا الامتداد لمسالة الأرض. كان بمثابة الخيط المتين الذي يربط أبناء هذا الوطن من خلال علاقتهم الوطيدة كشعب وكأقلية فلسطينية تصون أرضها.
كوكبة من القادة الشيوعيين قادوا معركة بقاء الأقلية الفلسطينية في وطنها
نتحدث عن كوكبة من القادة الشيوعيين الذين قادوا هذه المعارك، معركة البقاء في الوطن ومعركة الدفاع عن الأراضي. ومنهم:
صليبا خميس سكرتير لجنة الدفاع عن الأراضي والقس شحادة شحادة
القائد الشيوعي البارز والصحفي اللامع الذي كان سكرتير لجنة الدفاع عن الأراضي، القس شحادة شحادة الذي عاش في حيفا فترة طويلة، وكان رئيس لجنة الدفاع عن الأراضي.
وهذا تعبير واضح عن اتساع هذه اللجنة التي لم تقم على أساس أيديولوجي أو فكري فقط بل التقى فيها الشيوعي الوطني ورجل الدين الوطني رجل الدين المسلم والمسيحي والدرزي، وقوى ديمقراطية يهودية، كلها وجدت نفسها في نفس الإطار الذي يدافع عن الأرض.
توفيق طوبي الجذع الذي رسم وحدد معالم الطريق
توفيق طوبي الذي كان الجذع الذي رسم وحدد معالم الطريق بالانتقال من نفسية النكبة ومعنوياتها الكئيبة إلى نفسية الصمود والتصدي والمواجهة ضد السياسة تمييز وسياسة المجازر والإرهاب السياسي والملاحقات والقمع على أساس عنصري.
وكان يؤكد أن الأرض هي أكثر من مجرد شيء يربط الفلاح بترابه وإنما هي قضية وطنية شاملة تخص اقلية قومية بقيت في وطنها ولا زالت تعيش فيه. ولم تكن معركة الدفاع عن الأراضي معزولة بالنسبة لتوفيق طوبي عن المعركة للتخلص من نفسية النكبة والانتقال إلى نفسية الهامة المرفوعة والقضية الوطنية النضالية.
وإذا كانت إسرائيل قد حاولت أن تغرس في نفوسنا عقلية النكبة وعقلية المهزوم ونفسية الذي يستجدي، فقد ظهرت بالمقابل قوة سياسية كان يقودها توفيق طوبي ورفاقه تعمل على بناء القوة الصامدة الواثقة من نفسها، المقتنعة بحقها وضرورة حصولها عليه، إن القضية ليست استجداء من أحد وإنما نحن ننتزع حقوقنا وندافع عنها. إن ذكراه تدعونا للانتقال من كوننا عرب 48 والذي ألصق لنا هذا الاسم خطأ، إلى تحويلنا عرب آذار 76..
محطتان أساسيتان في تاريخ الجماهير العربية
أشعر أن ثمة محطتان أساسيتان في تاريخ الجماهير العربية، المحطة الأولى كانت مجزرة كفر قاسم وهي استمرار للنكبة ومحاولة لإعادة سيناريو الاحتلال واستغلال ظرف الحرب من أجل تفريغ مناطق البلاد من سكانها.
وكان الحديث يدور عن المثلث الجنوبي في ظل العدوان الثلاثي على مصر، فالناس منشغلة بحرب سيناء وإسرائيل تطهر وتقتلع المثلث الجنوبي من العرب.
في مجزرة كفر قاسم التي ارتبطت فضيحتها في مذكرة توفيق طوبي قام مع رفيقه ماير فيلنر عضو الكنيست بفضح المجزرة في عملية بطولية، واخترقا حواجز حرس الحدود والتي كانت ممنوعة على ذكرها حتى في الإعلام.
وتعرض للموت هو ورفيقة ودخلا عبر الجبال إلى كفر قاسم إلى القرية المذبوحة، وجمعا الشهادات وخرجا بمذكرة إلى العالم كله، ليعلن ويطلق صرخة كفر قاسم ويفضح المجزرة التي ارتكبتها القوات الاسرائيلية.
يوم الأرض يعبر عن الانتقال من نفسية النكبة إلى نفسية تحدد الجزار وتقاومه
يعبر يوم الأرض عن الانتقال من النفسية التي كانت سائدة بذكريات النكبة والمجازر والإرهاب إلى نفسية تحدد الجزار وتقاومه حتى لو أنها تملك الحجر فقط.
لأن الإرادة والاقتناع بحق الأقلية القومية الفلسطينية العربية التي بقيت في وطنها صامدة. وكانت أقلية مهزومة كئيبة، تلعق جراحها، ولا أتحدث فقط عن قادة حققوا في نهاية المطاف الإنجاز الكبير بأن نصبح بقايا أو أشلاء شعب محطم وممزق، كالخيار الذي طرحته السلطة.
وظهرت هناك تراكمات لهذه الخيارات بين أن تنتصر هذه العقلية التي تريد أن تخلق بها المؤسسة الحاكمة عربيا منصاعا ممزقا بدون انتماء قومي وبدون انتماء فلسطيني وحتى انتماء جماعي، وإنما تخلق عدمية فكرية وقومية وسياسية وثقافية، هذا ما كانت تريده السلطة وتحلم في بنائه.
وبالمقابل كانت قوى أخرى تحاول أن تبني إنسانا عربيا جديدا آخر وفي شكل مغاير لكي يواجه ويقاوم هذه السياسة ويطرح نفسه بديلا. نحن نتحدث عن الانتماء إلى الهوية والعمق الثقافي، الحضاري، الفكري، الإنساني، والفلسطيني وخصوصا بعد 67.
وليس صدفة أن أتطرق إلى عمليات تاريخية دون أن أذكر يوم الأرض بعد، لأن هذه هي الخلفية التي خلقت يوم الأرض، ونحن نتحدث عن مرحلة انتقالية في حياة الجماهير العربية.
إن التحول جاء نقلة نوعية ديمغرافية في بنية الأقلية العربية، وجيل النكبة هو جيل مر بتجربة قاسية جدا، أما الجيل التالي والتي كانت عليه مراهنة من المؤسسة الصهينية لكي يصبح هو الجيل الإسرائيلي، كانت المراهنة البديلة ان يتحول إلى الجيل التقدمي والوطني والمدافع عن حقوقه ويحترمها.
ولكن هذه المراهنة هي التي انتصرت في النهاية في عام 76 ، وأصبح نحو 56 % من المواطنين العرب تحت جيل 25 فنشا وضع جديد تكلل بيوم الأرض وأصبح مفصلا هاما في حياة وتاريخ هذا الشعب. ولذلك خرج بعد سنتين من مجزرة كفر قاسم الآلاف في أزقة الناصرة وأم الفحم، يواجهون الرصاص والرشاش بالحجر والتصدي.
ما هي الآلية التي يجب أن نتبعها من أجل التغيير
انصبت كل الامور في سنوات السبعين حول الآلية التي يجب اتباعها من أجل التغير والمواجه وانتزاع الحقوق. بعد يوم الأرض لم يعد نكتفي بالقول لا تصادروا أراضينا، وإنما نريد أن نسترجع ونستعيد الأرض التي صودرت خدمة منا لمستقبلنا وتطورنا. وأصبح السؤال التالي ليس فقط عن الحق في الدفاع عن أرضنا بل لنا الحق في التأثير على طابع دولة إسرائيل.
يوم الأرض كان ميدان التحرير الأول
ما أشبه اليوم بالبارحة عندما كان يوم الأرض بمثابة ميدان التحرير اليوم، وميدان التحرير الثوري والمواجهة الثورية، وفي المقابل انتقلت رهبة وهيبة يوم الأرض إلى ما بعد الحدود إلى الدول العربية التي ظهر فيها الربيع العربي. وأصبحت الجماهير تتحدى السلطة وتطالب بإسقاطها وتغييرها. فزاد الهلع في قلوب أصحاب النظام الرسمي العربي من يوم الأرض هذا.
عظمة يوم الأرض
تجلت عظمة يوم الأرض باقتناع الجماهير العربية الواسعة إلى أنها ذات وزن سياسي وأنها شريكة فعالة في السياسة، السياسة الثورية التي يجب أن تحدث مع الناس.
وهكذا أصبح يوم الأرض يوم إصرار لمواجهة الحكومة التي قررت أن تمنع إضراب الأول من أيار أيضا وأخذت تهدد العمال، وتحاربهم على لقمة عيشهم، وأدى هذا إلى الانفجار.
وبعثت السلطة بالجيش وقوات الحدود إلى المواقع المركزية في معركة شرسة لإرهاب الناس، ومنعتهم عن ممارسة حقهم بحجة تدخل نشطاء يوم الأرض ولجنة الدفاع عن الأرض والشيوعيين. ففشلوا بمخططهم، وهذا الشعور بعث الثقة في الناس بأنها تستطيع المواجهة. وكان الثمن سقوط 6 شهداء في يوم الأرض..
نشأت قوى جديدة تريد أن تستحوذ على ما أنجز غيرها
نفتقد اليوم لجنة الدفاع عن الأراضي، إنها غائبة عن الساحة، وحسب رأيي، لأسباب تافهة. خاصة أنه بعد يوم الأرض نشأت قوى جديدة تريد أن تستحوذ على ما أنجزه غيرها.
القوة الأساسية التي قادت يوم الأرض هو الحزب الشيوعي، وهذا طبعا لا يلغي دور غير الشيوعيين. وأعتقد أننا لا نزال بحاجة شحن النفس الثوري، وألا نعلق على نتيجة عدم وجود لجنة دفاع عن الأراضي بأن تشتد الهجمة على حقوقنا وعلى أرضنا..
نحن في وضع خطير
احدى المشاكل التي نعاني منها في مجتمعنا هو العنف بين الشباب الذي أصبح البديل، وهذا لكي تنشغل الناس بعضها ببعض. فنحن في وضع خطير إذا لم نعد إلى نفسية يوم الأرض، وإذا لم نتعامل مع أنفسنا كعرب 30 آذار.
وأوجه سؤالا إلى القادة، كيف نستطيع أن نقول الحقيقة للجماهير، ما هي المعركة التي ندعو الجماهير إلى خوضها؟ لا بد أن الجماهير واثقة ومقتنعة بأمانة القيادة، وتستطيع أن تسير معها، ونقول لكم إن قيادتكم هي التي يجب أن تقودكم في الطريق الصحيح وفي الموقف الصحيح.
حيفا كانت محورا لكل تحرك وطني تقدمي في فلسطين
كانت حيفا تاريخيا ومنذ سنوات الأربعين محورا لكل تحرك وطني تقدمي في فلسطين. لا يمكن أن نتصور يوم الارض بدون جريدة الاتحاد التي كانت العامل المنظم والمحرك الأول للجماهير العربية. وكان الأهالي في حيفا على الدوام في مقدمة المعركة التقدمية.
وحيفا اليوم ليست أقل قدرة وقوة وزخما مما كانت في الماضي، ربما نستطيع أن نستخرج منها قوى أكبر، هذا يتوقف على هذا التفاعل بين الموقف السياسي الصحيح، وبين القيادة الصحيحة المسؤولة وغير المغامرة، وبين جاهزية الجمهور ليأخذ دوره في المشاركة في الحدث السياسي لصنع تاريخه، لإن حيفا عودتنا على أنها جزء من صنع التاريخ فهيا نواصل هذا التاريخ المشرف..










