القُدْسُ حَبيبةُ جبرا…

مراسل حيفا نت | 29/01/2018

القُدْسُ حَبيبةُ جبرا…
رشدي الماضي
0roshdi 0987890
في روايته، “صيّادون في شارع ضيّق”، يستدعي جبرا إبراهيم جبرا القدس جمالًا خالصًا لا نهاية له… فيقول: “وإذا الأثاري يقول بنبرة تُشبه الترتيل: قدس الفضّة، يا قدس الذهب..” فأضَفْتُ مجّانًا من عندي: “قدس الزّمرّد والبنفسج… يا قدسًا سماؤها ياقوتة لا تنتهي، صَدَفَة غسلتها مياه البحر ورفعتها، لتولد فيها كلَّ صباح أفروديت جديدة” (ص. 103). ويواصل أديبنا الذي جعل القدس في مُنْجزه الإبداعي هذا تتموضع في ذاكرة جريحة تحاور أطيافًا مضت… “راحت شوارع القدس تنسرح كلّها معًا أمام عينيّ، صاعدة نازلة، منعطفة، وبناياتها بحجرها الأبيض تذرذر الأشعّة، وتسكب وهج الفضّة والذهب الذي يتلألأ في خيال العُشَّاق جميعًا حين يطول بهم الفراق”… (ص. 104 – 105)
واضح… أنّ قدس جبرا تتعيّن في ذاكرتِه الجريحة، علاقة جماليّة خالصة، تلتقط خلاياها من الذّهب والفضّة والزّمرّد والبنفسج والياقوت، وربّة الجمال (أفروديت) التي غسلها البحر وباركته في آن…
إذًا… يستولد جبرانا “قُدْسَهُ” من عالم الجمال وعلمه… إن لم يدفعْهُ بها إلى استقدام علم الجمال إليها، الذي إنْ لم تكن القدس مُفْرَدَة جليلة فيه (في علم الجمال) بدا ناقصًا…
غير أنّ مبدعنا، وهو يخلق قدسه، لا يكرّمها إلّا بِقَدْر ما يحوّلها إلى أثير لا يمكن القبض عليه، ذلك أنّ الجمال الخالص لا يكترث بالأزمنة ويرمي بالتّاريخ إلى لا مكان…
يقول مثل إيطالي طريف: “مَنْ أراد لي عُنُقًا فليمسك به”…
وعليه، فجبرا – في تصوّرنا الرومانسي الذي لا شِفاء منه – يهجس بالعنق المثالي، ولا يكترث بتجسيده الحقيقي، إلّا قليلًا…
لا يخفى، رفيقاتي\رفاقي، أنّ هذه “الحبيبة” تسكن ذاكرة أديبنا… تؤرّق وتوجع، وتحتلّ مساحة من النّهار، حتّى تُصبح جزءًا يوميًّا من حياة “الغريب”، أو تكاد: “ثمّ شعرت بشيء، ناعم يرتطم بيدي… كأنّه يد مقطوعة من الرسغ… كانت يد ليلى، وخاتم الخطوبة يحيط بالإصبع الخنصر. فجلست وبكيت”… (ص. 19)
تنتهي الرواية ويد ليلى معلّقة في الذاكرة… كما لو كانت الذاكرة رحمًا ويد القتيلة الملويّة جنينًا لا يرضى الخروج…
صباح الخير لروحك يا مبدعنا التُّحفة لأَنّك جعلت القدس علاقة جماليّة في كتاب جمالي جليل، ومن يد الحبيبة القتيلة اختبارًا وجوديًّا للإنسان الفلسطينيّ…

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *