أمريكا والإنتاج الهادف

مراسل حيفا نت | 17/02/2017

أمريكا والإنتاج الهادف
طوني باسيلا
لم تبخل شركات الإنتاج الأمريكيّة في الثلاثينيّات من القرن الماضي على صنع الأفلام التي تحمل في طيّاتها غايات اجتماعيّة واقتصاديّة تهدف إلى إجراء تغييرات بعيدة المدى داخل الدولة. وقد سمحت الظروف بتطبيق تلك الخطوات، خاصّة أنّ النّظام الأمريكي كان يفتش في تلك الفترة عن منفذ للخروج من الأزمة الاقتصاديّة العالميّة التي حلّت عليه كالصّاعقة وسببت الويلات والمآسي للبلاد. ولا بدّ من ذكر المحاولات التي قام بها الرئيس روزفلت من أجل إنقاذ المواطنين من خطر المجاعة والبطالة كاقتراح New Deal الذي نادى بتحسين أحوال العمّال كحبل نجاةٍ تشفّع به الليبراليّون، ولكنّه واجه اعتراضات ساخطة من قبل الارستقراطيّة المحافظة التي خافت على مصالحها الشخصيّة والتي حصدت السّنابل بمناجل الفساد في فترة ما بين الحربين. فإنّ احتياجات المواطنين عامّة والنهوض بالتّغيير من قبل البيت الأبيض أوجدوا السبيل لصناعة الأفلام التي ذكّرت شمالي القارة بما كانت تطوق إليه تلك الولايات من مبادئ وقيم ديمقراطيّة قبل قرن الحروب بقليل. وقد أبدت الأفلام الأمريكيّة في ذلك الوقت تعاطفًا مع الفئات الشّعبيّة ولم توفّر الانتقادات اللاذعة تجاه شركات البنوك الضّخمة والمؤسّسات الاقتصاديّة التي فغرت فاها ورأت في الجهاز السياسي كفريسة ثمينة وكوسيلة قانونيّة لنصب الفخاخ وللتحكّم بالفئات السّفلى وبأبناء القلوب المنسحقة. فإنّ الخطوات التي اتّخذتها تلك الشركات باتت عائقًا أمام استمرار تطبيق الديمقراطيّة التي اعتادت أن تخدم الشّعب. وليس صدفةً أنّ تزلّج الديمقراطيّة ومحاولة تدهورها نحو الهاوية دَفَع السّينمائيّين إلى عرض الأفلام التي ذكّرت المُشاهد بأيام المجد والعزة والتمثيل الحقيقي للمواطن. وخير مثل على ذلك عندما قامت بعض أفلام الثّلاثينيّات بتخليد شخصيّة ابراهام لنكولن الرئيس المثالي والشعبي الذي أجمع الأمريكيّون على محبّته في القرن التاسع عشر. وقد نادت أفلام هوليوود في نهاية الثلث الأول من القرن العشرين بالعودة إلى البساطة والديمقراطيّة التي حظي بها الأمريكيّون في عهد لنكولن. ومن الرسائل التي وجهتها تلك الأفلام، العودة إلى تقليص الفجوات بين الحاكم والمحكوم، العمل على المساواة في القوانين المدنيّة ووقف سيطرة الرأسمالية على الفرد، بل استقلاليّة الأخير ومنحه مساحة مُستحقة من التصرف الاقتصادي، الاجتماعي والثقافي. ومن أهم الأفلام التي وقفت أمام موجة الانتقادات كان فيلم “السيد سميث ذاهب إلى واشنطن”، وتدور أحداث القصة حول شخصية سميث (الممثل جيمس ستيوارت) الذي تم اختياره كعضو في السينات الأمريكي والذي بدوره عليه أن يمثل الفئات الشعبية. ولكن أحد كبار الرأسماليين الذين دعموا انتخابه تحكم به وأملى عليه تطبيق أوامره الرأسماليّة، بل والعمل على تحويلها لتكون قانونيّة رسميّة. لم يستطع سميث الّذي مثّل الديمقراطيّة الكلاسيكيّة، تحمّل تلك الطرق الملتوية وإرضاء الأقوياء بواسطة طعن المواطنين. وعندما عزم السناتور على فضح القصّة أمام العدالة والقانون سَبَقَه الرأسمالي على ذلك. بعد عرض الفيلم في دور السّينما الأمريكيّة أنزل العديد من النّقاد هجماتهم تجاه الديمقراطيّة الأمريكيّة الخاضعة للرأسماليّة والتي بدونها لا يجوز تطبيق الخطوات سواء كانت صغيرة أم كبيرة. وكان الاشتراكيّون الذين سكنوا في أمريكا في تلك الفترة من أبرز الناقدين، حيث عادوا، عَبرَ الرسالة التي قصدها الفيلم، ليثبتوا صحّة عقيدتهم الماركسيّة بأن الدولة الديمقراطيّة ما هي إلّا “جهاز قمع بيد الطبقة الرأسماليّة”، وأن النجاح السياسي مشروط بدعم الرأسماليّين. وكذلك هاجم الماركسيّون النظام الديمقراطي الغربي واتهمه بطبخ المؤامرات بحق المواطن الذي يقتصر نشاطه في يوم الانتخابات فقط، وأمّا باقي أيّام السنة فيبقى خاملٌ، خائبٌ، ينتظر الرّجاء السعيد بين حظٍ وأعجوبة.
اختار المخرج في الدّقائق الأخيرة من الفيلم أن تكون النهاية سعيدة، كباقي النهايات التقليديّة، وقد عبّرَ عن ذلك من خلال انتصار الفرد على القوى المسيطرة، ولا بد أن اختياره هذا يعود إلى أهدافٍ تتعلّق بالتسويق وشراء التذاكر من جهة، ومن الجهة الأخرى يعود إلى الأمل الجماعي بأن يكون هناك وزنًا وقوةً للفرد في مواجهة الشّر وحسم المواقف في الدول التي اختارت لنفسها بأن تكون ديمقراطيّة. احتج أعضاء مجلس الشيوخ ومجلس النوّاب على الفيلم وطالبوا بمقاطعته، حتى أن جوزيف كندي، سفير الولايات المتحدة في بريطانيا آنذاك وأب الرّئيس كندي مستقبلاً، كتب رسالةً شديدة اللهجة لشركة الإنتاج واحتجّ من خلالها على النقد اللاذع الذي يوجهه الفيلم “للديمقراطيّة” الأمريكيّة. وقد اعتمد كندي في ادّعائه هذا على ذرائع لا علاقة لها بتراجع جوهر النّظام، حيث قال بأنّ رسالة الفيلم سوف تؤدّي إلى انفصام وحدة الشّعب الأمريكي وإلى فقدان الثقة الجماعيّة بالقيادة وبالخطوات التي تتّخذها أثناء مدة حكمها. وأضاف بأن أمريكا في أَمسّ الحاجة إلى وحدة الصّف والإجماع، خاصّة أن النازيّة وسياستها التّوتاليتاريّة العدوانيّة تشكّل خطرًا كبيرًا على الغرب الديمقراطي وتلوح بالحرب. مما لا شك فيه أن بعض السياسيّين يستخدمون، في الكثير من الأحيان، الحجج والذرائع بواسطة ترهيب المواطنين من المخاطر المتوقعة، كل ذلك في سبيل تكاتف وتعاطف الشعب معهم. لذلك لم تُقدِّم شركة الإنتاج اعتبارًا لرسالة السّفير وأصرّت على استمرارها في عرض الفيلم.
هناك سلسلة أفلام أمريكيّة تم إنتاجها بعد الفيلم المذكور أعلاه حملت على أجنحتها رسائل نقد صارخة وجارحة تجاه النظام الأمريكي. وصلت تلك الأفلام إلى أوج مجدها في عهد المخرج إيليا كازان (Kazan) الذي طرح قضيّة تراجع العدالة الاجتماعيّة والألم الذي ينزف من أبناء الطّبقات السّفلى في فلك الظلم المتغطي بالمبادئ الديمقراطيّة.
unnamed (12)

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *