رأس السنة الهجرية (1444) بقلم الشيخ رشاد أبو الهيجاء

مراسل حيفا نت | 29/07/2022

رأس السنة الهجرية (1444)

الشيخ رشاد أبو الهيجاء
إمام مسجد الجرينة ومأذون حيفا الشرعي

سيهل علينا هلال شهر محرم الهجري الليلة إيذانا ببداية سنة هجرية جديدة وهذا يوقفنا عند تأملات كثيرة لا تدعنا الا ان نخرج منها بفائدة عظيمة توضح لنا طريق العبودية لله تعالى فقد قدر رب العزة أن يكون شهر محرم هو اول اشهر السنة وهو من الأشهر الحرم  التي قال عنها ربنا في كتابه ( إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم )  وقد وضح لنا الرسول الكريم أن شهر محرم هو من ضمن الأشهر الحرم فقال ( إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السموات والأرض , السنة اثنا عشر شهرا , منها أربعة حرم , ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم , ومضر الذي بين بين جمادي وشعبان ) وهو إشارة الى شهر رجب  وقد ذهب بعض أهل العلم الى أن افضل أشهر الحرم هو شهر محرم لما جاء في صحيح النسائي عن أبي ذر أنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الليل خير , وأي الأشهر أفضل ؟ فقال ( خير الليل جوفه , وأفضل الأشهر شهر الله الذي تدعونه المحرم ) قال أهل العلم تعقيبا على هذا الحديث المقصود فيه أنه أفضل الشهور من بعد رمضان شهر محرم  وقد يسأل سائل لماذا يعنينا أن نعرف كل هذه التفاصيل ؟ أقول وبالله التوفيق , اذا كنا نعتبر أنفسنا من المؤمنين علينا أن نعظم هذه الأشهر ونجعل أيامه ولياليه ساحة لنشر التسامح والحب ووقف العار الذي انتاب مجتمعنا من الاقتتال بين شيابنا الى حد أن الحليم منا أصبح حيران فأهل الجاهلية قبل الإسلام كانوا يعظمون الأشهر الحرم لذا كانوا يجعلونه اشهر هدنة اذا كان فتيل الحرب قد اتقد لتكون الهدنة هي المجال الذي يعيد كل طرف حسابته لعلهم بعد الهدنة يكون السلم والأمان  وكانوا يسمونه الشهر الأصم لشدة تعظيمه وجاء الإسلام فحرم القتال في الأشهر الحرم الا بحال الدفاع عن النفس لقوله تعالى ( الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم )  ولشدة تعظيم هذا الشهر حث الرسول على الصيام فيه ولو لأيام معدودات قال رسول الله ( أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم , وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل ) وفي هذا الشهر وتحديدا في اليوم العاشر منه يكون يوم عاشراء  وهو اليوم الذي نجى الله نبيه موسى من الغرق فعن ابن عباس انه قال : لما قدم النبي المدينة وجدهم يصومون يوما يعني عاشراء فسألهم عنه فقالوا : هذا يوم عظيم وهو يوم نجى الله فيه موسى وأغرق أل فرعون فصام موسى شكر الله, فقال رسول الله :أنا أولى بموسى منهم فصامه وأمر بصيامه )  لمكانته العظيمة اختاره عمر بن الخطاب ليكون بداية للتاريخ الإسلامي لأن الرسائل التي كانت تبعث الى الملوك والولاة كانت تبعث بدون تأريخ كتابتها فكتب بذلك أبو موسى الأشعري الى عمر بن الخطاب لذا عقد الصحابة اجتماعا لتحديد بداية السنة فوقع اختيارهم على حدث عظيم يحددون منه بداية التأريخ الإسلامي وهو الهجرة النبوية من مكة الى المدينة لقول عمر ( الهجرة فرقت بين الحق والباطل ) فأرخوا بها واختاروا أن يكون شهر محرم هو بداية السنة الهجرية لأن فيه كانت بيعة الأنصار للرسول   ( بيعة اهل المدينة ) وكان اختيارهم هذا كما هو معلوم من بعد موت رسول الله وموت الخليفة الأول ( أبو بكر ) وتولى الخلافة عمر وبمعنى آخر بعد الهجرة من مكة الى المدينة بسنوات  واختاروا التاريخ الهجري لتبقى هجرة الرسول خالدة في نفوس من تتوق انفسهم الى الحرية والى الكرامة  ولا شيء أعظم من ان تصان كرامة المرء وحريته  ومن اجل ذلك أذن رب العزة لرسوله بالهجرة من مكة الى المدينة وقد كانت مكة احب بقاع الأرض لرسول الله ولكنه حمل رسالة عظيمة لا بد ان يبلغها وهي تحتاج الى ارض صلبة تمكنه من تبليغ الرسالة فهيء الله له مدينة يثرب لتكون الموطن الجديد الذي تؤسس فيه النواة الأولى للدولة الإسلامية الناشئة ولما غادرها رسول الله خاطبها قائلا ( والله انك لخير ارض الله , وأحب أرض الله الى الله , ولولا أني أخرجت منك ما خرجت ) وقد يسأل سائل لماذا كانت الهجرة ضرورية وقد انطلقت الرسالة من مكة ؟ وحتى ندرك الحاجة الى الهجرة علينا معرفة الحال الذي آل اليه رسول الله ومن آمن معه , فقد نزل بهم اشد العذاب من ضرب وشتم وقتل يوضح الحال شكوى الخباب بن الأرث الذي يحدثنا فيقول : شكونا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة قلنا له : ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا ؟ فقال مثبتا لعزيمتهم ( كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه , فيجاء بالمنشار , فيوضع على رأسه فيشق باثنتين , وما يصده ذلك عن دينه , ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم وعصب , وما يصده ذلك عن دينه , والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء الى حضر موت , لا يخاف الا الله أو الذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون ) فكانت الهجرة هي نقطة التحول من عذاب واضطهاد الى عزة وتمكين وتأسيس قواعد المجتمع الجديد التي تتمثل بثلاث  قواعد أولها : المسجد لذا اول عمل قام به الرسول بعد وصوله الى المدينة بنى مسجده النبوي لأنه لا بد من صناعة الرجال الذين سيغيرون وجه التاريخ ولا يمكن صناعة الرجال في مجتمع متفكك فالمجتمع المتناحر سيبقى تتوالى عليه الهزائم لذا جعل الأساس الثاني لبناء المجتمع الأخوة بين المسلمين فآخى بينهم  وجعلهم كالجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعى له باقي الجسد بالحمى والسهر  ولم يغفل الحبيب أن المجتمع تتنوع الوانه وأشكاله وسيكون فيه أناس قد يختلفون معك في الدين وهؤلاء لهم حقوق وواجبات ولا بد أن يكنوا جزء لا يتجزأ من المجتمع الجديد فكتب عهد الأمة الذي يحدد فيه حقوق وواجبات اهل الكتاب الى احد انه اعتبرهم والمسلمين امه واحدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.