إقامة قداس لذكرى الشهيدة شيرين أبو عاقلة في كاتدرائية مار الياس في حيفا

مراسل حيفا نت | 15/05/2022

إقامة قداس لذكرى الشهيدة شيرين أبو عاقلة في كاتدرائية مار الياس في حيفا


أقام قدس الارشمندريت أغابيوس أبو سعدى قداسا لذكرى الشهيدة شيرين أبو عاقلة التي استشهدت الاسبوع الماضي.
وحضر القداس رئيس القائمة المشتركة أيمن عودة، وعضو البلدية رجا زعاترة ووديع ابو نصار قنصل الشرف لاسبانيا في حيفا، ورئيس وأعضاء المجلس الملي الأرثوذكسي في حيفا والايكونيموس دمتريوس سمرا. وجمهور غفير من الطوائف المسيحية في حيفا.
وقال الارشمندريت ابو سعدى في كلمته:

يقول القدّيس يوحنّا في سفر الرؤيا: «ولمّا فُضَّ الختم الخامس، رأيتُ تحت المذبح نفوس الذين ذُبِحوا في سبيل كلمة الله والشهادة التي شهدوها. فصاحوا بأعلى أصواتهم: حتَّامَ، يا أيّها السيّد القدّوس الحيّ، تؤخِّر الإنصاف والانتقام لدمائنا من أهل الأرض. فأُعطِيَ كلٌّ منهم حُلَّةً بيضاء، وأُمِروا بأن يصبروا وقتًا قليلًا»(٩:٦-١١).
إخوتي وأخواتي الأحبّاء، مَن منّا لم يتأثَّر بشدّةٍ بمشاهد جنازة الشهيدة شيرين أبو عاقلة خلال اليومين الماضيَين؛ مَن منّا لم يَبكِها، ويبكي من خلالها الوضع الذي وصل إليه إنسان الأرض المقدّسة، الإنسان الذي أَرهقَتْه ظروف الحياة الصعبة والقاسيّة، الإنسان الذي أثقلت اللاعدالة واللاكرامة كاهله، فأضحىى سلعةً مستهلكةً، تُباع وتُشتَرى، وفقًا لمعاييرَ ورؤى الذين يتحكّمون بمصيره.
نقاطٌ عدّة أودّ أن أطرحها أمامكم وبصوتٍ عالٍ علّ الكلمة تصل إلى مَن يجب أن تصل إليهم:
قضيّتنا قضيّةٌ إنسانيّةٌ عادلةٌ ومشروعة، إذ إنّنا نريد تحقيق السلام العادل والشامل؛ نريد العيش معًا في احترامٍ متبادلٍ وقبولٍ للآخر المختلف. السلام … ثمّ السلام … ثمّ السلام … هو الحلّ الوحيد الذي يمكنه أن يوقف سَيَلان إراقة الدماء، وخاصّةً دماء الأبرياء. وهنا يستوقفني حدث قتل قايين لأخيه هابيل، حين سأله الله: «أين هابيل أخوك؟ قال: لا أعلم. أحارسٌ لأخي أنا؟ فقال الله: ماذا صنعتَ؟ إنّ صوت دماء أخيك صارخٌ إليَّ من الأرض. والآن فملعونٌ أنت من الأرض التي فتحت فاها لتقبل دماء أخيك من يدك» (تكوين ٩:٤-١١).
أقول لأولئك الذين يعلّقون دومًا على تقصير الكنيسة، أو ادّعاءهم بأنّ بياناتها ضعيفةٌ، أن يعودوا لقراءة التاريخ والتبحُّر فيه، إذا كانوا من القرّاء أصلًا. فكنيسة الأرض المقدّسة هي كنيسةٌ عربيّةٌ عروبيّةٌ بامتياز؛ ويمكنني أن أؤكّد أنّ مطران العرب ومسيح الشرق، المطران غوريغوريوس حجّار مطران الجليل من الأعوام ١٩٠١-١٩٤٠، كان من مؤسّسي الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة، إذ حمل القضيّة الفلسطينيّة إلى المحافل الدوليّة، لأنّه آمن بقدسيّتها وشرعيّتها وعدالتها. ولا يسعني إلّا أن أذكر طغمةً من الأساقفة والكهنة الذين دافعوا وبقوّةٍ عن عدالة قضيّتنا، أمثال: المثلّث الرحمة المطران إيلاريون كبّوتشي، والمثلّث الرحمة الأب إبراهيم عيّاد، والبطريرك ميشيل صبّاح، والبطريرك غوريغوريوس لحّام حين كان مطرانًا للقدس، والمطران عطالله حنّا، وغيرهم كُثُرإقرأوا بتمعُّنٍ وثيقة “كايروس فلسطين” (وقفة حقّ) تحت عنوان: “لحظة الحقيقة: كلمة إيمانٍ ورجاءٍ ومحبّةٍ من قلب المعاناة الفلسطينيّة (عام ٢٠٠٩)، وبيان بطاركة ورؤساء كنائس الأرض المقدّسة حول “صفقة القرن” (عام ٢٠٢٠)، وغيرهما من الوثائق ذات الصلة، لتعلموا جيّدًا ما هو موقف الكنيسةالمشرِّف.
لقد دخل اعتراف الكرسي الرسولي بفلسطين كدولةٍ مستقلّةٍ حيّز التنفيذ يوم السبت ٢ كانون الثاني عام ٢٠١٥.  ففي ١٣ أيّار عام ٢٠١٥، أعلن الكرسي الرسولي أنّه تمّ تقديم الاتّفاقيّات الشاملة مع «دولة فلسطين» للتصديق عليها إلى السلطات المعنيّة بعد أن حقَّقت المفاوضات الثنائيّة بين الجانبين هدفها. وفي ١٦ أيّار، قام الرئيس محمود عبّاس بزيارة البابا فرنسيس وتمّ استقباله كرئيس دولة. وفي ١٧ أيّار، أعلن البابا فرنسيس قداسة أوّل قدّيستين فلسطينيَّتين في العصر الحديث: مريم ليسوع المصلوب الكرمليّة (مريم بواردي) وماري ألفونسين غطّاس مؤسّسة راهبات الورديّة. لقد ابتهج البعض مع الفلسطينيّين واعتبروا هذه الخطوات بمثابة تقدُّمٍ مهمٍّ في الاعتراف بمعاناة الفلسطينيّين وحقوقهم المشروعة؛ في حين استاء البعض الآخر من العواقب التي قد تترتَّب عن هذه الأحداث على العلاقات مع دولة إسرائيل والتداعيات على الحوار مع اليهود. من المهمّ قراءة هذه الأحداث من منظورٍ تاريخيّ، والاعتراف بتطوُّر موقف الكنسية الكاثوليكيّة من الصراع الإسرائيليّ-الفلسطينيّ، حيث تتابع الكنيسة الكاثوليكيّة عن كثب التطوّرات في إسرائيل وفلسطين منذ عقود.
يُعتبَر البابا بولس السادس أوّل حَبرٍ أعظم يؤكّد صراحةً على الفلسطينيّين كشعبٍ وليس مجرّد مجموعةٍ من اللاجئين. ففي رسالته بمناسبة عيد الميلاد عام ١٩٧٥، قال: «على الرغم من أنّنا ندرك المآسي التي لا تزال حديثةً جدًّا والتي دفعت الشعب اليهوديّ إلى البحث عن حمايةٍ آمنةٍ في دولةٍ خاصّةٍ بهم، ذات سيادةٍ ومستقلّة، ولأنّنا -في الحقيقة- ندرك هذا بالتحديد، نودّ أن نطلب من أبناء هذا الشعب الاعتراف بالحقوق والتطلُّعات المشروعة لشعبٍ آخر عانى أيضًا منذ فترةٍ طويلة، هو الشعب الفلسطينيّ». إنّ إعلان البابا بولس السادس هذا يُعتبر موقفًا ثابتًا وقاطعًا لسياسة الكرسي الرسولي تجاه الصراع الإسرائيليّ-الفلسطينيّ، ورؤيةً ثاقبةً للحلّ القائم على أُسُس العدالة والحقّ.
أمّا فيما يخصّ الشهادة، فهي تُقسَم إلى قسمين رئيسَين: الشهادة الدينيّة وهي أن يموت الإنسان أثناء دفاعه عن إيمانه، في حين أنّ الشهادة الوطنيّة هي أن يموت الإنسان في سبيل قضيّةٍ يؤمن بها. إنّ الخلط بين الشهادة الدينيّة والوطنيّة ناتجٌ عن الخلط بين الدين والسياسة، بحيث لا يكون هناك اعتبارٌ للأقليّات التي تناضل في سبيل القضيّة إلّا من خلال المفهوم الدينيّ. وهذا ما يشوِّه الحقيقة. لقد حان الوقت في تحرير قضيّتنا من أبعادها الدينيّة والطائفيّة لتعود إلى أصالتها، قضيّة شعبٍ أَنهكَه التهجير القسريّ والقتل والتشريد والحصار والدمار. لقد حان الوقت لأن توضع كنيسة القيامة بجانب المسجد الأقصى على شعار تلفزيون فلسطين الرسميّ.لقد حان الوقت بأن تتبنّى المناهج مادةً عن تاريخ المسيحيّين العرب والمشرقيّين وإنجازاتِهم ومساهماتِهم في بناء الأمّة.
إنّ استشهادَك يا شيرين، مع كلّ ما حمله من حزنٍ وألم، قد وحَّد أبناء شعبِكِ، مسيحيّين ومسلمين، من جهة، ووحَّد الطوائف المسيحيّة إنْ في الاشتراك في الصلاة الجنائزيّة في بطريركيّتنا المقدسيّة أو عند قرع أجراس كلّ كنائس القدس، احتفالًا بابنة القدس والقيامة. لقد حَمَلَ استشهادُكِ الكثير من الرسائل الوطنيّة،والكنسيّة، والمحليّة، والعالميّة. بورك ثراكِ لأنّكِ إنسانةٌ بحجم وطنٍ.
من هنا، فإنّنا نَدين ونستنكر بأشدّ العبارات التعرُّض لجثمان الشهيدة شيرين، والاعتداء على الشباب الأبطال الصامدين الذين لم يرفعوا نعشها فحسب، بل رفعوا كرامتنا الإنسانيّة والوطنيّة واستحقاقَنا كشعبٍ يطمح إلى إقامة دولته الفلسطينيّة المستقلّة تطبيقًا لقرارات الشرعيّة الدوليّة. لقد كان مشهدًا صادمًا للغاية اقشعَرَّت له الأبدان. نَدين ونستنكر بأشدّ العبارات العنف من أيّ جهةٍ كانت، وخاصّةً ضدّ الأبرياء من الشعبَين الفلسطينيّ والإسرائيليّ؛ لأنّ العنف لا يولّد إلّا الدمار والخراب والمآسي. نَدين ونستنكر بأشدّ العبارات الأصوات الشاذّة التي تخرج من هنا وهناك، وتعمل على تنفيذ سياسة “فرِّق تسد”، وبعض أصوات وطنيِّي الفيسبوك الذين يُحاولون تشويه صورةِ الكنيسة ونضالاتِها وتضحياتِها ومساهماتِها الوطنيّة، والتربويّة، والإنسانيّة، والاجتماعيّة.
أخيرًا، بالأصالة عن نفسي، وبالنيابة عن سيادة راعي الأبرشيّة المطران يوسف متّى السامي الاحترام والآباء الأفاضل، وعن كلّ إنسانٍ حرٍّ وشريف، أتقدّم بالتعزيّة القلبيّة الحارّة لعائلة الشهيدة شيرين أبو عاقلة إيقونة القدس الحيّة،ولسيادة المطران ياسر عيّاش النائب البطريركيّ للروم الكاثوليك في القدس، ولعائلة قناة الجزيرة،ونصلّي معًا من أجل السلام في بلادنا، ومن أجل ينتصر صوت الحقّ والعدالة والمحبّة، بنعمة الآب والابن والروح القدس. آمين
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.