ثقافة الاستهلاك في مفهوم المجتمعات المأزومة

مراسل حيفا نت | 12/04/2019

ثقافة الاستهلاك في مفهوم المجتمعات المأزومة

رقيّة عدوي: مُدّرِسة في مدرسة المتنبّي

 

لا شكّ بأنّ مجتمعنا العربيّ في البلاد له مركّباته الخاصّة والمغايرة، التي تختلف عن المجتمعات العربيّة في عالمنا العربيّ، الأمر الذي يعود إلى خصوصيّته التاريخيّة، مكانته الحضاريّة، ثقافته التي تتشكّل وفقًا لمتغيّرات سياسيّة-اقتصاديّة-تربويّة تؤدّي في نهاية المطاف إلى تشكيل وبلورة مجتمع له خصوصيّته ومكانته من جهة، ومن جهة أخرى له تعقيداته وأزماته الكثيرة التي تجعل منه مجتمعًا مأزومًا بكلّ تحمل الكلمة من دلالة، معنًى ومفهوم. والأزمة هي نتاج واقع يفرضه نظام معيّن أو أسرة أو مجتمع أو حدث، عن هذا الواقع تتمخّض مواقف تشكّل تهديدًا فعليًّا أمام الإنسان، ليفقد بالتالي قدرته على السيطرة على الأزمة أو التعامل مع تأثيراتها وأبعادها اللحظيّة-الآنيّة أو المستقبليّة، كما ويؤثّر ذلك على عمليّة اتّخاذ القرارات التي تتناسب وتتناغم مع حجم الحالة وتداعياتها لأسباب تتعلّق بقصور المعرفة أو ربط الأسباب مع النتائج بصورة غير منطقيّة أو لا تتناسب مع حجم الأزمة الفعليّة أو بِفعل عوامل خارجيّة تؤثّر سلبًا على عمليّة المواجهة الناجعة وإنتاج الحلول الناجحة.

تنعكس أزمات مجتمعنا على شتّى مناحي الحياة فيه؛ السياسيّة، الاقتصاديّة، التربويّة، الثقافيّة، الاجتماعيّة، الإعلاميّة وربّما الإنسانيّة كذلك. من البديهيّ أنّ الأزمة إذا ما تغلغلت في جنبات المجتمع دون التنبّه لها أو الحدّ منها، يمكنها أن تتطوّر وتتفاقم أكثر ممّا يصعّب من السيطرة عليها أو معالجتها، تُشبه بذلك كرة الثلج التي تبدأ بالتدحرج رويدًا رويدًا، يكبُر حجمها وتتضخّم على مرأى ومسمع من الجميع. أسباب الأزمات كثيرة، عادة ما تكون وتنشأ بفِعل أزمة واحدة، تتطوّر، تتدحرج وتتفاقم، تبلغ ذروتها وتشمل مناحٍ واتجاهات أخرى ومتشعّبة فتصيرُ الأزمة أزمات. ربّما تعقيدات وخصوصيّة مجتمعنا العربيّ في البلاد هو واحد من أبرز مسبّبات الأزمة، وهنا لا يكون المقصود هو التعدّديّة داخل المجتمع، ولا الاختلاف ففي اختلاف الأئمة رحمة كما يُقال ويُشاع، بل منبع الأزمة هو تحويل الاختلاف إلى خلاف، وهذه هي الطامّة الكبرى ومأساة تجتاح عالمنا العربيّ بشكل عامّ ومجتمعنا العربيّ في البلاد بشكل خاصّ، وهذه النقطة تحديدًا تؤدّي إلى تعميم احتكار الحقيقة بين أفراد المجتمع الواحد، إلغاء الآخر والنفور من الرأي المختلف أو المغاير. علاوة على ذلك تنعكس أزمات المجتمع على عدّة محاور ومركّبات وفي مقدّمتها مكانة المرأة ودورها في المجتمع في ظلّ الضغوطات العامّة والخاصّة علاوة على ضرورة ترسيخ وجودها في المجتمع وفاعليّته للنهوض بالمجتمع. بالإضافة إلى ذلك، قد تنعكس أزمات المجتمع على الخطاب الدينيّ من خلال التعامل مع الدين من منطلقات سلطويّة-اقصائيّة والتستّر خلفه وتطويعه كأداة للسيطرة على المجتمع وأدلجته بغيّة تأجيج المشاعر والعواطف من خلال تطويع النصوص الدينيّة المختلفة والتعامل معها من خلال سياقات مغلوطة وتفسيرات معيّنة لتحقيق مآرب أبعد ما تكون عن الدين والغايات منه كتجربة روحيّة خاصّة تنطوي على علاقة الإنسان مع معتقداته الدينيّة-الروحيّة المختلفة.

إنّ ثقافة الاستهلاك هي واحدة من أبرز سمات المجتمعات المأزومة، إذ تطغى هذه الثقافة وتسيطر على نهج وسلوك أفراد هذه المجتمعات وتتلخّص بميل الأفراد إلى الاستكانة، الاستسلام، الكسل والميل إلى الاستهلاك بغير وعيّ أو إدراك، ليتحوّل المجتمع بدوره إلى مجتمع استهلاكيّ خامل، سلبيّ ومُنقاد بل كالقشّة في مهبّ الريح. ثقافة الاستهلاك لا تخلق إلّا مجتمعات خاملة غير قادرة على الإنتاج، مجتمعات تنتظر ما كلّ ما يُصدّر لها، وكأنّنا أمام عصر جديد من الاستعمار غير المباشر، فيه يتمّ التحكّم بالمجتمع والسيطرة عليه اقتصاديًّا، سياسيًّا، اجتماعيًّا وصولًا إلى السيطرة الحضاريّة والثقافيّة عليه وهي أخطر أنواع السيطرة على مرّ العصور، فيها يتمّ برمجة المجتمعات على الخمول والكسل أوّلًا ثمّ الاستهلاك العنيف والتبعيّة العمياء وصولًا إلى بلورة جيل منسلخ تمامًا عن واقع وقضايا مجتمعه، مُعطًّل فكريًّا وفي حالة انطواء اجتماعيّة تؤدّي إلى إلغاء الذاكرة وشلّها عن كلّ ما يمكن أن يربط الفرد مع تاريخ وميراث أمّته الفكريّ، الحضاريّ، التربويّ والثقافيّ الأمر الذي يؤدّي بدوره إلى فقدان تسلسل الأحداث، ولا ننسى بأنّ عمليّة تسلسل الأحداث هي عمليّة حيويّة وضروريّة لضمان بقاء الإنسان يقظًا في الحاضر، وبالتالي نحن أمام جيل مع ذاكرة جديدة، مُصنّعة وبديلة، كوّنها الاستعمار غير المباشر وساهمت ثقافة الاستهلاك في بلورتها وتطويرها، غالبًا ما تكون هذه الذاكرة الجديدة مشوّهة تمّ تكوينها بشكل تدريجيّ وذلك لضمان حشر الإنسان تحت حراك عنيف، شرس ومُستمرّ يؤدّي إلى دوران العقل في حلقة مفرغة من التيه والضياع.

علينا ألّا نستسلم لثقافة الاستهلاك التي راحت تضرب في جنبات مجتمعنا وتفترس ما بقِيَ لنا من ذاكرة، بل يتوجّب علينا الآن وأكثر من أيّ وقت مضى، أن نتنبّه لضرورة النهوض من هذا الواقع الأليم والبدء عمليًّا في محاولات الثورة للإجهاز عليه والسبيل إلى ذلك يكون من خلال استحداث ثقافة المأسسة القائمة على بناء مؤسّسات مستقلّة تعمل على نشر الوعيّ والثقافة، تمرير ورشات العمل اللازمة، تجنيد الموارد اللازمة، التوثيق وتعزيز مكانة اللغة العربيّة كلغة قوميّة ورسميّة، تأهيل قيادات شابة وواعدة تضع نصب أعينها ضرورة النهوض بهذا المجتمع من أزماته المتلاحقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *