بعد الإبحار.. بعد الاعتقال.. وبعد العودة إلى حيفا، مجد كيّال في حوار مع صحيفة “حيفا”:

مراسل حيفا نت | 12/11/2011

 

حاوره: مطانس فرح
صوّره: وائل عوض
 

ويضيف: "لا وجود للشعب العربيّ الإسرائيليّ!.." * "عشت مسلسل رعب!" * "… وإذ بملثّم من الوَحدات البحريّة الإسرائيليّة الخاصّة يلصق مسدّسه برأسي!.." * "فقدت الشعور بما يدور من حولي!" * "شعبنا هو المختلف" * "اللّي براسي بَعْمَلو!" *

بعد أن عاد إلى مدينته الحبيبة – حيفا، بساعات قليلة، هاتفته لأحاوره، تلقائيًّا ومن دون أيّ تحضير مسبّق. ردّ على المكالمة مرحّبًا ضاحكًا – كعادته معي على الأقلّ – طالبًا أن أمنحه بضع ساعات إضافيّة؛ ليتمكّن من العودة إلى ممارسة حياته الطبيعيّة، ووعدني بمهاتفتي في أقرب فرصة ممكنة.
كيّال في العشرين من عمره، يدرس العلوم السياسيّة والفلسفة في الجامعة العبريّة في القدس، وأحد الكتّاب الشباب الواعدين، ناشط فاعل – سياسيًّا واجتماعيًّا. أخذ قرارًا جريئًا بانضمامه إلى قافلة السفينتين ("التحرير" الكنديّة و"الحريّة" الإيرلنديّة) المبحرتين في اتّجاه غزّة.
"مرحبًا رفيق" – جاءني صوت مجد كيّال بعد ساعات.
ابتسمت بدوري هذه المرّة، ورحّبت به مجدّدًا.
"أنا على عجلة" – قال لي مجد. وأضاف: "آسف، لكنّ أصدقائي في انتظاري.. "صار لي زمان ما سهرت يا زلمي"". سكت هُنَيْهة، ثمّ عاد وقال: "مشتاق إلى العودة إلى حياتي "الطبيعيّة" بأسرع ما يمكن".

 

 

ولكن كيف يمكن لمجد العودة إلى حياته الطبيعيّة طالما لم "يغادرها"؟! فمجد – كما أعهده – ناشط سياسيّ، لا يألو جهدًا في المشاركة في أيّ مظاهرة أو فعاليّة أو نشاط سياسيّ، لهدف إعلاء الحقّ الفِلَسطينيّ. ولكنّه – هذه المرة – "بَعَّد"، قليلًا، مُحلّقًا نحو تركيّا، ليعود مُبحرًا في اتّجاه غزّة.
"لن أسرق من وقتك كثيرًا" – قلت له، وأضفت: "أريدها "دردشة" أكثر منها حوارًا رسميًّا، و..".
فقاطعني، قائلًا: "أفضل. لقد سئمت الأسئلة الروتينيّة".
ضحكت، وسألته: "بما أنّك تدرس العلوم السياسيّة والفلسفة، يعتقد البعض أنّ ما قمت به هو نوع من "التفلسف الزايد"..؟"

فأجابني: "مؤكّد ليس "تفلسفًا"! أنا أنتمي إلى الشعب الفِلَسطينيّ، وما قمت به (الانضمام إلى طاقم سفينة "التحرير" الكنديّة) أقلّ ما يمكن عمله من أجل شعبي. فأنا لم أقم بعمل بطوليّ، تصرّفت كما يجب أن يتصرّف الفِلَسطينيّون الحقيقيّون؛ وجدت أنّ ما قمت به عمل طبيعيّ لا بطوليّ".
وأضاف كيّال، ضاحكًا: "يمكنك أن تصف ما يقوم به المحاضر الجامعيّ الأوروبيّ أو الأمريكيّ، مثلًا، على متن السفينة المبحرة إلى غزّة بـ"التفلسف الزايد"، أمّا أنا كفِلَسطينيّ فمن واجبي أن أكون على متنها"!

وعن سبب التعتيم والتكتّم على إبحار السفينتين، قال كيّال: "صحيح، لقد اكتنفت السرّيّة قضيّة السفينتين خوفًا من أن توقفهما السلطات، ومن أن تُدفن هذه الخطوة وهي لا تزال في مهدها. كان يجب التكتّم على الموضوع. واجهتنا، أساسًا، إشكاليّات عدّة إلى حين إبحارنا؛ بدءًا بخفض عدد المبحرين على متن سفينة "التحرير" الكنديّة، من 36 شخصًا إلى 12 شخصًا فقط، ومن حسن حظّي أنّني كنت ضمن هؤلاء الـ 12 الّذين تمّ اختيارهم".
ويضيف: "كان على متن السفينة – كما ذكرت لك – 12 شخصًا، من بينهم خمسة صِحافيّين وستّة مسافرين وقبطان السفينة اليونانيّ، جورج. الجميع كانوا أجانب من بلاد مختلفة وكانت هناك صِحافة أمريكيّة، أمّا أنا فكنت الشاب الفِلَسطينيّ الوحيد بينهم".
"كيف، ولِمَ تمّ اختيارك – أنت تحديدًا – ضمن الـ 12 مسافرًا؟" – سألته، مستفسرًا.

فأجاب: "تمّ اختياري، بدايةً، من قِبل منظمة "فري غزّة" (حرّروا غزّة) الّتي تعمل مع جمعيّات مختلفة تُعنى بحقوق الإنسان وغيرها؛ وكان من المفترض أن تنظّم لإبحار سفينة وعلى متنها شباب عربيّ من فِلَسطين وتونس ومصر، تيمّنًا بـ"الربيع العربيّ".. ولكن.. تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، ولم تفلح المنظّمة في ذلك من جرّاء أسباب كثيرة".
واستطرد كيّال، قائلًا: "لذا قرّرت الانضمام إلى سفينة "التحرير" الكنديّة. لقد كان من الضروريّ أن أنضمّ إلى طاقم سفينة "التحرير" بصفتي فِلَسطينيًّا من الداخل، لأثبت للجميع أنّه لا وجود لشعب عربيّ إسرائيليّ؛ فعرب الداخل هم فِلَسطينيّون، وعرب الداخل والفِلَسطينيّون شعب واحد وليسوا شعبيْن".   

وفي ردّه على سؤالي حول شعوره، لحظة اختياره ضمن المبحرين في اتّجاه غزّة، حتّى اعتلائه السفينة، أجاب: "بدايةً، أحبّ أن أنوّه بفرحة قبطان سفينة "التحرير" الكنديّة، القبطان اليونانيّ جورج، مذكّرًا بأنّه ليس ابن هذا الشعب الفِلَسطينيّ، لكنّه كان يحلم في الوصول إلى غزّة لكسر الحصار!". وأضاف: "مررتُ بمسلسل رعب، بدءًا من وصولي مطار اللّدّ؛ ليس خوفًا من المواجهة، بل من منعي من مغادرة البلاد، وبعدها خفت من منعي من اعتلاء السفينة. فقد واجهتنا مشاكل كثيرة: التأخير في ختم جوازات السفر لـ 24 ساعة، وبعض المشاكل التقنيّة هنا وهناك، فحتّى اعتلائنا متن السفينة وإبحارنا ساورتنا بعض الشكوك والتخوّفات، لكنّ كلّ المخاوف تبدّدت لحظة دخولنا المياه الدوليّة".

وعن محتويات السفينة حدّثني كيّال، قائلًا: "لقد حوت السفينة أدوية وموادّ غذائيّة، ولكن كان معنا، أساسًا، تبرّعات مادّيّة تفوق الثلاثين ألف دولار، من متبرّعين كندييّن يؤمنون بالقضيّة وبحق الشعب الفِلَسطينيّ في العيش بحرّيّة. كما كانت على متن السفينة أعلام ولافتات، وكاميرات وحواسيب نقّالة للطاقم الصِّحافيّ".
حدّثني عن شعورك "لحظة المواجهة"، لحظة اعتراض السفينة من قِبل شرطيّي خفر السواحل واعتلائهم إيّاها.
"يصعب وصف الحالة الّتي كنت فيها، يمكنك القول إنّني كنت في "لا حالة"!! نعم.. لقد كنت في حالة غريبة، جمعت ما بين الرعب والثقة بالنفس معًا! شعور غريب لا يمكنني وصفه، كنت في حالة خاصّة وفريدة. لا أستطيع تحديد الحالة الّتي كنت فيها، فقد كانت آنيّة وحوت وضعيّات عدّة".

وأضاف: "عندما اعتلى خفر السواحل سفينة "التحرير" الكنديّة، كنت أقف عند باب غرفة القبطان، صادًّا بجسمي دخول أفراد الوَحدة الخاصّة غرفة القبطان! لم تكن هناك أيّ مقاومة عنيفة على متن السفينة، كانت مقاومتنا سلميّة جدًّا. لم نستسلم ولكنّنا لم نهاجم، دافعنا عن أنفسنا، فقط. ولم نكن نملك أيّ نوع من أنواع السلاح، قطّ!".

وأكمل كيّال حديثه، قائلًا: "وفجأة – عندما كان رأسي في اتّجاه أرضيّة السفينة، شعرت بآلة حديديّة فوق رأسي مباشرةً، وحين التفتّ وجدت ملثّمًا من الوَحدات البحريّة الإسرائيليّة الخاصّة يلصق مسدّسه برأسي مباشرةً. حينها فقدت الشعور بما يدور من حولي. فرغم عدم مقاومتنا إيّاهم صوّبوا الأسلحة في اتّجاهنا، كما وصلت بهم الوقاحة إلى أن يصوّبوا أسلحتهم في وجه امرأة أمريكيّة مسالمة تبلغ من العمر ما يزيد عن الستّين عامًا، لهدف الترهيب! صوّب الملثّمون – كلّ واحد بمفرده – سلاحه في وجه المسافرين، حتّى قبطان السفينة لم ينفذ من شرّهم!".
"هل دار حديث بينكم وبين شرطة خفر السواحل أو الوَحدة الخاصّة؟" – سألته.

فأجاب: "لم يدُر أيّ حديث خاصّ على متن السفينة، ولكنّهم أرادونا أن نستسلم تحت تهديد السلاح، وأن نغادر السفينة، بعد أن أرغمونا على الإبحار واقتادوا السفينة إلى ميناء "أشدود". لكنّنا رفضنا الاستسلام ومغادرة السفينة مهزومين؛ فغادرناها بشكل أظهرنا به للإعلام المرئيّ والمسموع والمقروء أنّنا قاومنا ولم نستسلم حتّى مغادرتنا السفينة مرغمين!".
وأضاف: "ما يثير التقزّز في الأمر هو أنّ الملثّمين وأفراد البحريّة تعاملوا معنا بشكل مغاير عندما كانوا يشغّلون كاميرات تصويرهم على متن السفينة؛ حينها كانوا يتحوّلون إلى "ملائكة رحمة" يقدّمون لنا المأكل والمشرب ويعاملوننا معاملة حسنة أمام الكاميرات، وما إن يُطفَأ ضوء الكاميرات، تُصوّب الأسلحة، مجدّدًا، نحونا!".
"وماذا عن اعتقالك.. وكيف دار التحقيق معك خلاله؟!" – سألت مَجْدًا.

ضحك وأجاب: "لن تصدّقني يا رفيق. لم يكن هناك تحقيق، تقريبًا!!". وأردف، قائلًا: "عندما "خطفوا" السفينة مبحرين في اتّجاه ميناء "أشدود"، معلّقين عليها علم إسرائيل بدل الأعلام الفِلَسطينيّة وغيرها الّتي كانت تزيّنها؛ وعندما رفضنا مغادرة السفينة – كما قلت لك – قامت وَحدة الاستطلاع الخاصّة (الـ"يسام") بإجبارنا بالقوة على مغادرة السفينة لنظهر للإعلام والرأي العامّ أنّنا مخطوفون ونغادر السفينة مرغمين – لا بإرادتنا".

واستطرد، قائلًا: "لدى مغادرتنا السفينة، تمّ اعتقالي على الفور واقتيادي للتحقيق في مركَز شرطة "أشدود"، بينما اقتادوا الآخرين إلى سجن الرملة لحين ترحيلهم، بتهمة دخول البلاد بشكل غير قانونيّ".
"أمّا التحقيق – عزيزي – فكان عاديًّا جدًّا" – قال كيّال؛ وأضاف: "سألوني حول ما إذا كنت على علاقة مع المنظّمين، وما إذا كنت أعرف الموجودين على متن السفينة، وما إذا كانت هناك أيّ رسائل من جهات خاصّة، وما إلى ذلك. فأجبتُ بالنفي عن الأسئلة جميعها، ولم أتكلّم كثيرًا! وبعد دقائق عديدة، صادروا جواز سفري لمدّة شهر وأطلقوا سراحي". ثمّ تابع وقال: "لا يعنيني التحقيق كثيرًا، فأساسًا، تمّ استدعائي، مسبّقًا، للتحقيق في شأن قضية التضامن مع الأسرى، ومعركة الأمعاء الخاوية تحت عُنوان "جائعون للحريّة".
"هل تعتقد بأنّ هذه التجربة تستحقّ التضحية، بصفتك جريئًا متحدّيًا بفعلتك هذه، و"مختلفًا" عن باقي أفراد شعبنا الفِلَسطينيّ؟!"

"التجربة تستحق هذه التضحية وأكثر. أنا لست مختلفًا عن شعبنا الفِلَسطينيّ. شعبنا هو المختلف للأسف!! شعبنا يتصرّف بشكل غريب ولا- مبالٍ. فكيف يُعقل أن يكون شعب لأكثر من ستّين عامًا تحت الذلّ والاحتلال من دون أن يحرّك ساكنًا. فالمظاهرات والمِهْرجانات والمشاركة في يوم الأرض لم تعُد تكفي! هذا أقلّ ما يمكنني فعله من أجل فكّ الحصار الجائر عن شعبي، والعمل على تحريره".
وما الفرق بين مجد كيّال قبل الإبحار وبعده؟!

"لقد استفدت من هذا الإبحار كثيرًا. بدايةً تعرّفت إلى أشخاص رائعين، مستعدّين للسفر بعيدًا لدعم قضيّة يؤمنون بها. لقد نضجت سياسيًّا أكثر، وأدركت أنّ ما أقوم به هو الصحيح بعينه. لم يختلف كيّال كثيرًا بعد الإبحار عمّا كان عليه قبله، لكنّ التجربة زادت من وعيي وإدراكي السياسيّين. منحتني هذه التجربة اكتفاء ذاتيًّا هائلًا، وسلامًا داخليًّا كبيرًا؛ شعرت بأنّني، أخيرًا، أقوم بعمل صادق، لا يقتصر على الكلام، فقط، بل يصدّقه الفعل، أيضًا".
"بلغني أنّك ألقيت بمحمولك في أعماق البحر، قبل السيطرة على السفينة. فهل قمت بذلك لأسباب أمنيّة، مثلًا"؟

 

"طبعًا لا. ليس هناك ما أخفيه سياسيًّا أو أمنيًّا. كنت متأكّدًا من أنّه لحظة السيطرة على السفينة سيصادر عناصر الشرطة أو جهاز الأمن العامّ (الـ"شاباك") جميع الأجهزة الّتي كانت في حيازتنا، تمامًا كما فعلوا بالحواسيب والكاميرات التابعة إلى الصِّحافيّين الّذين كانوا على متن السفينة. وبما أنّني كنت سأخسر جهازي، اخترت إلقاء الـ"آيفون" في أعماق البحر، كَيْلا يقع في يد "ولد" من (الـ"شاباك")، في التاسعة عشرة من عمره مثلًا، فيعبث كما يحلو له بالجهاز ويطّلع على علاقاتي الشخصيّة؛ من بيانات أصدقاء ورسائل قصيرة ("إس.إم.إس.") وغيرها، فيعرف كلّ كبيرة وصغيرة. فتلافيًا لذلك قمتُ بإلقاء الـ"آيفون" في أعماق البحر".
"ولكن أذكّرك بأنّ جميع المحاولات – حتّى الآن – لدخول غزّة باءت بالفشل. فالحكومة الإسرائيليّة لن تسمح بكسر الحصار!"

"كلامك صحيح. كنّا نوّد أن ندخل غزّة، ولكنّ الهدف الأساس كان أن نُخرج غزّة إلى العالم!! بمعنى أن تتصدّر، مجدّدًا، غزّة سلّم أولويّات العالم، والعالم العربيّ أيضًا، فلا ننساها كما ينساها الجميع! كان يكفيني أن يتحدّث بعض الأشخاص في حيفا، مثلًا، عن مجد، هذا الشاب الذي أبحر في اتّجاه غزّة، وإعلاء شأن غزّة وتصدّرها العناوين من جديد. لست أنا "بطل القصة"؛ لأنّ الأبطال الفعليّين هم شعب غزّة المُحاصَر والصامد".
وما الذي تريد إيصاله في نهاية هذه "الدردشة"، الّتي تحوّلت إلى حوار صِحافيّ، إلى أبناء شعبنا الفِلَسطينيّ؟!

"لديّ عتب كبير على شعبنا الفِلَسطينيّ. فعلينا، نحن – الفِلَسطينيّين – أن نبادر معًا – أعني فِلَسطينيّي الداخل والضفّة – من أجل تجهيز سفن خاصّة بنا، والإبحار بها إلى غزّة؛ لِمَ يجب أن تأتي المبادرة، دائمًا، من الغرب أو من الأجانب. علينا أن نمسك نحن زمام الأمور."
وحول انتمائه إلى أيّ حزب أو فكر سياسيّ، أجابني مجد كيّال، خاتمًا حديثه: "أنا لا أمثّل ولا أنتمي إلى أيّ حزب أو مؤسسة، وإيماني السياسيّ أحفظه لنفسي. أنا أتصرّف بما يمليه عليّ ضميري، وما أراه مناسبًا. "بالعربي: إللي براسي بَعِملُو""!
هذا وقد توجّهت إلى الناطقة باسم شرطة إسرائيل، لأخذ تعقيبها عمّا ورد في هذا الحوار، إلّا أنّه – وحتّى إغلاق العدد – لم يصلني الردّ، وفي حال وصوله سأنشره.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *