
في هذه الأيّام المباركة تهفو القلوب مشتاقةً إلى البيت الحرام، وتتوالى وفود الحجيج إلى هذه البقعة التي باركها اللّه وجعلها رحمةً لعباد هذا البيت الّذي كرّمه اللّه وجعله مقدّسًا على سائر البيوت، يقول اللّه تعالى {إنّ أوّل بيت وُضع للنّاس للذي ببكة مباركًا وهدا للعالمين * فيه آيات بيّنات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنًا وللّه على الناس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلا * ومن كفر فإنّ اللّه غني عن العالمين}.
الحج أمل أهل الإيمان في حياتهم، يشدّهم الشوق والتحنان، وقد حزموا أمتعتهم وعقدوا النيّة على أدائه، ويرون ذلك من أعظم نِعم اللّه عليهم فتلهج ألسنتهم بذكر اللّه وقد اجتمع في قلوبهم الخوف من اللّه والأمل في عفوه ومغفرته ورحمته، وما أن يصلوا إلى الميقات حتّى يخلعوا ثيابهم ويلبسوا ثياب الإحرام، وقد انطلقت ألسنتهم بالتلبية قائلين: لبّيك اللّهم لبّيك، لبّيك وحدك لا شريك لك، لبّيك إنّ الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، فإذا وصلوا إلى الكعبة المشرّفة الّتي هي رمز الوحدة الإسلاميّة؛ هناك تطوف أبدانهم بها في عالم المثال، وتطوف أرواحهم برقابة ربّهم في عالم الغيب ويقولون:
«اللّهم إنّ هذا الحرم حرمك، وإنّ هذا البيت بيتك، جعلته للناس مثابة وأمنًا فاحفظه بحفظك وأدم أمنه برعايتك يا ربّ العالمين».. هناك يستلمون الحجر الأسود، ويعاهدون اللّه على الاستقامة والإخلاص لجلاله، وهناك ينطلقون إلى ساحة اللقاء في عرفة بملايينهم على اختلاف ألوانهم وأجناسهم وتباين لغاتهم وأقطارهم وتفاوت درجاتهم، وقد تجرّدوا من مظاهر المُلك والإمارة والغنى والفقر، وبرزوا بثياب موحّدة بيضاء نقيّة، فلا ملك ولا مملوك، لا غنيّ ولا فقير، لا عربيّ ولا أعجميّ؛ إنّهم أخوة يتعارفون ويتصافحون ويتناصحون، ويتعرّف بعضهم على بعض، ويشتركون في الضراعة إلى اللّه، وهناك يتوجّهون إلى منى فيرمون الجمرات في أيّام التشريق الثلاثة، ثم يعودون إلى طواف الافاضة حول الكعبة، والسعي بين الصفى والمروة، ما بين تلبية ودعاء وتضرّع وخشوع؛ بعدها يحلقون الرؤوس أو يقصّرون الشعور إعلانًا لإتمام الحجّ، وبذلك يخرجون من ذنوبهم كيوم ولدتهم أمّهاتهم.
وقد قال رسول اللّه (ص): «من حجّ، ولم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمّه». وقد يتساءَل البعض: ما معنى هذه الوقفات الربّانيّة؟ الجواب يحتاج إلى وقفة. إبراهيم (عليه السّلام) هو أبو الأنبياء، وكان رسول اللّه، محمّد (ص)، إذا حاور أهل الكتاب يقول لهم: «أنتم أبناء إسحاق، وأنا ابن إسماعيل، فتعالوا نتحاكم إلى الجدّ الأكبر» (يعني إبراهيم (عليه السّلام)).
وكما ورد في القرآن )إنّ أولى الناس بإبراهيم للّذين اتّبعوه وهذا النبي، والّذين آمنوا، واللّه وليّ المؤمنين}. النبيّ محمّد (ص) سار على المنهاج الذي بدأ به إبراهيم (عليه السّلام)، فتأتي مواقف الحجّ تمثيلًا عمليًّا لسيرة إبراهيم (عليه السّلام)، هذا النبيّ الّذي هاجر من بلاد العراق إلى بلاد الشام، طلبًا للهداية {وقال إنّي ذاهبٌ إلى ربيّ سيهدين * رب هب لي من الصّالحين * فبشّرناه بغلام حليم}، إنّه إسماعيل، أوّل أبناء إبراهيم، ويأتي الأمر من اللّه، بنقله لجوار الكعبة..
ولمّا وصل إلى هناك سألته زوجته هاجر: يا إبراهيم اللّه أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذًا لن يضيّعنا. ولمّا تركهم هناك وفي قلبه الشوق والحنين لوحيده، قال: «ربّنا إنّي أسكنت من ذرّيتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرّم ربّنا ليقيموا الصلاة، فأجعل أفئدةً من النّاس تهوي إليهم وأرزقهم من الثّمرات لعلهم يشكورون»؛ فيأتي الحجّ استجابةً لدعوة إبراهيم، وتجسيدًا لسيرته وأهل بيته.
فمن مناسك الحجّ السعيّ بين الصفى والمروة، وذلك تمثيلًا لحال هاجر عندما نفذ الطعام والشراب منها، فأخذت تركض بين الصفى والمروة لعلّها تجد مَن تَستعين به، وبينما هي على هذه الحال، ينزل الملك جبريل ويضرب بجناحه تحت قدمي إسماعيل، فينفجر نبع، وعندها تسرع هاجر وتزمّ التراب إلى فتحة كي يتجمّع، ولذا سمّي ماء زمزم.
ثمّ إنّ مناسك الحجّ تأتي بعد يوم التروية، اليوم الذي رأى فيه إبراهيم (عليه السّلام)، لأوّل مرّة، أنّه يذبح ابنه إسماعيل، فأخذ يفكّر بالأمر، فسمّي ذلك اليوم بيوم التروية؛ وفي اليوم الآخر رأى أنّه يذبح ابنه، فعرف أنّ الأمر من اللّه؛ وكان في تلك الليلة يبيت على جبل عرفات، وسمّي ذلك اليوم بيوم عرفَة؛ لذلك في اليوم الذي يليه همّ بذبح ابنه، ولكن اللّه قال {وفديناه بذبح عظيم}؛ وكان ذلك في اليوم العاشر من ذي الحجّة، وهو اليوم الذي تُقدّم فيه الأضاحي قربةً إلى اللّه.
لماذا أمر اللّه إبراهيم بذبح ابنه؟ لم يكن إبراهيم (عليه السّلام) يُرزق بولد، فقال: إذا رُزقت بولد سأقدّمه قُربانًا للّه تعالى؛ فهذه كانت عادة الشعوب في تلك الأزمنة، تُقدّم القرابين للآله، كما كان يفعل أهل مصر، عندما كانوا يزيّنون أجمل بناتهم ويلقونها لإله النيل كيلا يغضب ويفيض النيل عليهم!
فأراد إبراهيم أن يقدّم قربانًا مثيلًا، ولكنّ اللّه أراد أن يعلم إبراهيم وغيره، أنّه لا يجوز قتل النفس التي حرمها اللّه، حتّى لو قربةً للّه؛ ففداه بذبح ليصبح تحريم قتل الأبناء عقيدة. ولو وقفنا على كلّ مناسك الحجّ، لوجدناها تربطنا بإبراهيم (عليه السّلام) وآل بيته الأطهار، لنسير على خطاهم.
(حيفا)




