مسألة الناس
الشيخ رشاد أبو الهيجاء
إمام مسجد الجرينة ومأذون حيفا الشرعي
أرى من الضرورة في مكان معالجة هذه القضية التي أصبحت تقض المضاجع لما لها من تبعات اجتماعية تولد لنا جيشا جرارا ممن هزمت معنوياتهم وتحطمت نفسياتهم لسوء تصرف من أناس باعوا ضمائرهم , حيث يستغلون النساء والأطفال ليقفوا على مفارق الطرق يسألون هذا ويلحون على ذاك وهذا يعطيهم وذاك يردهم وهم يكتوون بحرارة الصيف الحارق وببرودة الشتاء القارس ليعطيهم المقاول ما قيمته خمسون شاقل ثم يبيتون بالأحراش وفي الخرابات ولا يخفى على عاقل ما يمكن ان يتبع ظروف هذه الحياة من ضياع وفساد , وقبل الخوض في هذه المسألة علينا التمييز بين الاستدانة والمسألة , فالمستدين لا يستدين الا لحاجة أما السائل فقد يسأل لغير حاجة وبذلك يستغل تعاطف الناس معه والله تعالى اعتبر المقرض للناس كأنه اقرض الله ( من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله اجر كريم ) وقضية المسألة كان يعالجها الرسول في عهده قال حكيم بن حزام : سألت رسول الله فأعطاني ثم سألته فأعطاني ثم سألته فأعطاني ثم قال ( يا حكيم أن هذا المال خضر حلو ( مرغوب فيه لحلاوته ) فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه وكان كالذي يأكل ولا يشبع واليد العليا خير من اليد السفلى ) قال حكيم فقلت : يا رسول الله والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدا بعدك شيئا حتى أفارق الحياة . هذه الكلمات كانت كفيلة أن تهذب نفس من طابت نفوسهم وعفوا أنفسهم عما في أيدي الناس لذا بعد أن توفي رسول الله وتولى الخلافة أبا بكر دعاة أبو بكر ليعطيه العطاء فأبى أن يقبل منه شيئا , ومات أبو بكر وتولى الخلافة عمر بن الخطاب فدعاه عمر ليعطيه العطاء فأبى أن يقبله فقال عمر : يا معشر المسلمين أشهدكم على حكيم بن حزام أني أعرض عليه حقه الذي قسمه الله له فيأبى أن يأخذه , والشاهد في هذه الرواية أن حكيم كان فقيرا طيلة حياته ولكنه تعلم العفة على يد رسول الله الذي كان يمر الشهر او أكثر ولم توقد في بيته النار لأنه لا يملك ما يطبخه لذا لما يأتينا السائل ويقسم بالله انه لا يملك قوت يومه ثم من بعد ذلك يتبين لك عكس ذلك تظن بالصادقين الكذب , والمجتمع السليم هو المجتمع الذي يشمر أبنائه عن سواعدهم للجد والاجتهاد لينال احدهم لقمة العيش التي اذا رفعها الى فم أولاده وبناته وزوجته يبارك الله فيها وتكون في ميزان حسناته ومن هذا المنطلق كان احدهم اذا جاء الى رسول الله يبايعه على الإسلام يبايعه على الا يسأل الناس شيئا عن عوف بن مالك الأشجعي قال : كنا جلوسا عند رسول الله تسعة أو ثمانية أو سبعة فقال ( ألا تبايعون رسول الله ؟ ) وكنا حديثي عهد ببيعة فقلنا قد بايعناك يا رسول الله , ثم قال : ألا تبايعون رسول الله ؟ فبسطنا أيدينا وقلنا : قد بايعناك يا رسول الله فعلام نبايعك ؟ قال ( على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا والصلوات الخمس وتطيعوا ) وأسر كلمة خفيفة ( ولا تسألوا الناس شيئا ) فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط احدهم فما يسأل أحدا أن يناوله إياه ) لذا لا ينبغي لأي عاقل أن يفتح باب مسألة بل عليه أن يصبر ولا يسأل الا للضرورة القصوى وما يفعله بعضهم هو تكثير للمال او كما شهدنا احدهم يبعث بزوجته لتسأل الناس على باب المسجد حتى يتمكن من شراء الخمر وشربه ولما حاولنا منعه من ذلك هدد وقال هذا المكان لي أي باب المسجد له , لمثل هذا ولمن على شاكلته نقول بقول رسول الله ( من سأل الناس تكثرا فإنما يسأل جمرا فليستقل أو ليكثر ) حتى ولو نزلت به الحاجة والضيق فليصبر وليطلب العون من الله وسيسخر الله له المعين قال رسول الله ( من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته , ومن أنزلها بالله فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل ) ولذا حدد رسول الله الظروف التي يمكن بسببها ان يسأل الرجل المساعدة فعن قبيصة بن المخارق قال : تحملت حمالة فأتيت رسول الله أسأله فيها فقال ( أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها ) ثم قال ( يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة : رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك , ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو قال ( سداد من عيش ) ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو قال سداد من عيش فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت ( حرام ) يأكلها صاحبها سحتا ) ولذا نذكر هذا الشاب وذاك الرجل وتلك المرأة بقول رسول الله ( لأنيأخذ أحدكم أحبله ( جمع حبل ) ثم يأتي الجبل فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه ) ومع كل ما قدمناه لا نغفل أن هناك أناس عفوا انفسهم من المسألة وهم لا يملكون ما يسد رمقهم فقد وصفهم رسول الله يقوله ( ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان ولكن المسكين الذي لا يجد غني يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه ولا يقوم فيسأل الناس ) فهؤلاء النفقة عليهم أمر عظيم قال ربنا ( وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف اليكم وأنتم لا تظلمون )







