التصرف في المال العام بقلم الشيخ رشاد أبو الهيجاء

مراسل حيفا نت | 21/12/2021

التصرف في المال العام بقلم الشيخ رشاد أبو الهيجاء

إمام مسجد الجرينة ومأذون حيفا الشرعي

 

قبل كل شيء لا بد من بيان أن المال العام هو الذي يجب أن تعود منفعته الى عامة الناس وقد يكون القائم عليه حكومة او أي مؤسسة رسمية أو غير رسمية مثال ذلك ( الوقف ) وقد اخترت هذا الموضوع بعد أن ورد علي الكثير من الأسئلة حول حكم التصرف بمال الوقف بشكل خاص وحكم استعماله من قبل المستأجرين , وأغرب سؤال أدهشني هو : هل يجب على المسلم أن يحفظ وأن يعتني بالبيت الذي استأجره من الوقف ؟ وهل الذي يعتبر نفسه صاحب حق في الوقف عليه أن يرد العائد من الوقف الى القائمين على ادارته ؟ ولن أنصب نفسي مفتيا والأمر لا يحتاج الى افتاء حتى يعلم القريب والبعيد أنه لا يصح بأي شريعة سماوية ولا وضعية استغلال الملك العام للمصالح الشخصية فالملك العام بما فيه الوقف أمانة عظيمة في عنق كل انسان يستطيع حمايته , وما معاناة الوقف في بلادنا والمتاجرة به الا للاستخفاف بالأوقاف وقدسيتها  وجهل من كان الامر بأيديهم بعظم هذه الأمانة والله يقول ( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ) وقد جاء النهي الصريح الدال على الحرمة  في تضييع الأمانة بقوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله ورسوله وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون ) وبما أنني صرحت بأنني لست مفتيا أسمح لنفسي بسرد روايات يستشف منها الحكم على تضييع الأمانة عند أهل الصلاح والتقوى روى أن عمر بن عبد العزيز الذي يعتبره البعض أنه الخليفة الراشد الخامس لعدله وأمانته مرض يوما وتحت وطأة المرض اشتهت نفسه أكل العنب فأخبر زوجته بما تشتهيه نفسه فقالت له : سأشتري لك العنب الآن , وكانت دابته عوجاء عرجاء, فأعطت نقودا لأحد العمال وأعطته دابة خاصة بيت المال فعاد ذلك العامل بسرعة ومعه العنب وقبل أن يتذوقه سأل زوجته عن سر عودته بهذه السرعة فأخبرته بما فعلت فقال : أعوذ بالله , تحرك دواب الإمارة لقضاء شهوة عمر بن عبد العزيز ؟ لو كان غيري ما بعثتم لأجله دواب الإمارة , ولكن لأنني أنا ولا أحد يسألني لماذا تفعلون ذلك ؟ ثم أمر ببيع العنب والتصدق بثمنه , لم تتضرر الدابة بأدنى ضرر ولكن خوف عمر من تضييع الأمانة ومحاسبة الله له جعله يفعل ما فعل , وفي بلادنا ضاعت الأوقاف لأن القائمين عليه لم يراعوا الأمانة التي تحملوها وتصرفوا بحق الملايين من البشر لأن الوقف عندما يوقفه صاحبه لله يصبح ملك لكل من يؤمن بالله , نعم في أيامنا الوضع اصبح افضل بكثير لغيرة الناس والقائمين على الأوقاف وعلى مقدساتهم ودور القائمين على الأوقاف هو ادارته بشكل يعود على الوقف بخير ولا يحق لهم بأي حال من الأحوال التنازل عنه أو بيعه , ولكننا ما زلنا نشهد تعد على الأوقاف من أناس لا يريدون دفع ما يجب دفعه من اجرة الاستئجار او غير ذلك من صور التعدي , نعود من جديد الى عمر الذي تربى في مدرسة رسول الله أتعب حتى اهله وأتعب نفسه خوفا من أن تضيع الأمانة . يروى أن عمرو بن العاص بعث بكيس فيه مسك من مصر لعمر بن الخطاب من أجل أن يجعله في بيت مال المسلمين . ؟ فأراد عمر أن ينفع الناس بهذا المسك فقال لزوجته : وددت لو أنني وجدت امرأة جيدة الوزن تزن هذا للمسلمين وتبيعه وتحفظ المال للمسلمين . وكانت زوجته تعمل في هذا المجال فقالت : أنا أفعل , فكسرت المسك وباعته للنساء وأخذت المال ووضعته في بيت المال , ولما دنا منها عمر شم ريح المسك ينبعث من ثيابها فقال لها : اشتريت من المسك ؟ قالت : لا . قال : فمن أين هذا الريح ؟ قالت : كان يتبقى على يدي فأمسح خماري وربما مسحت به حلقى, فقال عمر : آه المسلمون يدفعون المال لأجل أن يشموا العطر من نسائهم وأنا أشم العطر من نفقة المسلمين والله لا يحاسبني الله على ذلك . فأخذ خمار زوجته وغسله حتى زال ريح المسك منه ثم قال لزوجته : والله لئن عدتي الى ذلك لا أكلفك بعمل بعده ابدا . فهل يدرك من يستغل الوقف من دكان او بيت او غير ذلك دون أن يدفع أجرته أن الله سيحاسبه , تخيلوا معي مشهد عمر وهو عاقد لجلسة طارئة لبحث مسألة تولية الامارة في الأمصار لخالد بن الوليد وعمر بن العاص ومعاوية ويشترط عليهم قبل توليتهم فيقول : إذا أردتم أن أوليكم على شيء من هذا فإني أشترط أن نحصر أموالكم الآن , ثم إذا انتهت ولايتكم ننزع كل ما عندكم إلا ما حصرناه في البداية . فأبى خالد بن الوليد فقال : يا أمير المؤمنين إني رجل أتكسب وربما زاد مالي خلال السنين . قال : لك ذلك أو لا . قال : إذا لا توليني  , فوافق معاوية ليكون أميرا على الشام وعمر بن العاص اميرا على مصر , أما في أيامنا ابسط انسان إذا اصبح رئيس مجلس أو جمعية تزداد ثروته ولا أحد يسأله من أين لك هذا إلا من رحم ربي , وأختم بأن تحمل المسئولية لا يكفي فيها الدين والورع بل تحتاج أيضا الى قوة في قول كلمة الحق ووضع الأمور في نصابها فهذا أبو ذر الغفاري يمتدحه رسول الله بتقواه وصلاحه فيقول فيه ( ما أقلت الغبراء , ولا أضلت الخضراء ,رجلا أصدق لهجة من أبي ذر ) ومع ذلك لما طلب الامارة من رسول الله بقوله يا رسول الله أمرت فلانا وفلانا فولني فرد عليه رسول الله : يا أبا ذر , إنها أمانة , وإنها يوم القيامة خزي وندامة , إلا من قام بحقها )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *