بودلير وتجربة الحضارة
بقلم رشدي الماضي
النّاقد الأدبي الألماني والتر بنيامين (1940- 1892), قفز فوق المقولات الحداثيّة الكبرى، وآثر أن يرى بالشّاعر الفرنسي المعروف شارل بودلير في هامش مديني حديث هو:- المُتَسكّع… حيث اعتبر بنيامين هذا الهامش، مجازا تاريخيّا ديناميّا، تتجلّى في مرآتِهِ ماهيّة مُعَايشة بودلير تجربة الحداثة، ألّتي أخذ منها مواضيعَهُ وتصوَّرَهُ الحداثي للعالم…
وعليهِ، يُصْبح طبيعيّا أنْ يقول في إحدى قصائدهِ:- “كلُّ شيء بالنّسْبة لي مجاز”، إذ في كلِّ شيء آخر، وإذ الأشْياء جميعاً تجربة واحدة، ينبثق فيها المجاز من الحطام، من الزّائل الذي يمحو الحدود بين الأشياء، مُسْترجعاً القِدم الذي تحوّل إلى حُطام، ويُدقّقُ كناظر مُتَمعِّن في الشَّظايا، مُنْطلقاً من الحقيقة الّتي تؤكّد، أَنَّ الصَّلب المُوحّد لا وجود له…
إذاً، لا شيء يكتمل، والشّيء الذي لم يكتمل لا يظلّ على حالهِ، والمجاز في هذا الصَّدد حَيّز مكتوب يصطرع الزّائل والأَبديّ، أو الزَّائل وذلك الذي عليه أن يُصْبح قديما، وهكذا، يحاور المجاز بهذا المعنى، شِعْريَّة الحياة، كما يرصدُ في حياة الأَشياء غيابها…
وحين نعود إلى المجاز البودليري، نرى أَنَّ الأَشياء تُصْبح متساوية، فتغدو حينئذ مواضيع الشَّاعر مرآة لَهُ بقَدَرِ ما يكون بدورهِ مرآةً لها أيضاً.
لذلك نرى النّاقد بنيامين قد جعل “العمل المأجور” مجازاً، كي يُصَنِّفَ بولدير “عالماً صغيراً” يُماثل العالم الرّأسمالي، لكنَّهُ كشاعر وبَعد قيام الأَزمنة الحديثة بتكسير وِحْدَةَ الجمال المجرَّد، تَمرّد ممَّا جَعَلَ تَسَكُّعَهُ، مُلْقى في شوارع باريس، وفي بيت لا جدران لهُ، يصْبح بصراً وبصيرةً يراقب بهما الأشياء، ويبحث عن “مُشْترٍ” بعد أن تحوّل الشّارع في مدينتِه إلى سوق كبيرة!!!
طبعاً، نكتب هذا، دون أن يغيب عنّا، أنَّ مثل هكذا واقع، تلتبس فيهِ مواضيع مختلفة يُحَوّلها النّظام الرّأسمالي إلى أشياء، يحاورها شاعرنا ويتناولها في إطار موقفهِ الذي ذكرناه: : كُلّ شيء بالنسبة لي مجاز”!!!








