هذه قصتنا: كفار سمير
أقدم الأحياء في حيفا
تتمة لسلسلة المقالات “هذه قصتنا” التي تروي آثار وجذور الأحياء في مدينة حيفا، في هذا المقال لمحة عن الحي كفار سمير، الذي على أجزاء منه تم إنشاء الحي الحالي “نافي دافيد” الذي تأسس عام 1951 ليكون مسكنا للقادمين الجدد خاصة من الدول العربية. بداية وضعت في الموقع منازل مؤقتة وعام 1956 بدأ البناء للمنازل التي لا تزال موجودة حتى اليوم. يجدر الذكر أن الحي لا زال يشمل أجزاء من الموقع العربي “كفار سمير” ولا تزال بعض العائلات تسكن الحي.
يتواجد الحي نافيه دافيد (الذي يشمل اليوم ما تبقى من كفار سمير) في المدخل الجنوبي من مدينة حيفا، يحده البحر من الغرب، اما من الشرق فيحده الحي المعاصر “رماته ناسي”. وعلى الرغم من البناء الحديث فإن الإستيطان في كفار سمير يعود الى اكثر من 18000 عام قبل أيامنا.

الأبحاث الأثرية في الحي
ترتكز الأبحاث الأثرية في منطقة كفار سمير على المسح الأثري وحفريات الإنقاذ التي أجرتها سلطة الآثار خاصة بأعقاب أعمال البناء والتطوير في المنطقة. فقط القليل من البعثات العلمية التي باشرت بدراسة الموقع. الأبرز من بين تلك الأبحاث: المسح الأثري لحيفا الغربية بين الأعوام 1965 – 1966، بإدارة الباحثان “عولامي” و “رونين”.
أما الحفريات الأثرية الأولى فجرت خلال التسعينيات من القرن العشرين. بين أبرز نتائج الحفريات: الموقع في مدخل وادي السياح فيه تم العثور على آثار قرية يعود تاريخها الى قرابة 8000 عام قبل أيامنا، والبعض من الكهوف في الحي تاريخها الفترة الكنعانية (قرابة 4000 عام قبل أيامنا). من الجنوب تحد الحي خربة كاسترا الأثرية تاريخها الفترة البيزنطية، وفي أعلى وادي السياح من الشرق للحي يتواجد الدير والكنيسة التابعة للرهبنة الكرميلية تاريخها القرن 12 ميلادي.
نتائج الأبحاث الأثرية
فيما يلي أبرز نتائج الحفريات الأثرية وفقا للمواقع الأثرية في الحي:
“نافي دافيد” او موقع “واي السياح”
يتواجد الموقع في الجزء الشرقي من الحي وفي مدخل وادي السياح، يعود تاريخه الى عصور ما قبل التاريخ.
أشارت نتائج الحفريات الى وجود إستيطان من حقبات زمنية مختلفة: خلال المسح الأثري في الكهوف على امتداد الوادي تم العثور على بقايا استيطان بداية من العصر الحجري القديم (قرابة 450،000 عام قبل أيامنا) واستمرارا الى العصر النحاسي (قرابة 7000 عام قبل أيامنا).
أما الحفريات في الموقع ذاته بإدارة جامعة حيفا، فكشفت عن آثار تابعة للمرحلة الأخيرة من العصر الحجري الأخير ويعتبر هذا واحد من أهكم المواقع في البلاد لدراسة تلك الحقبة الزمنية (التي تعود الى ما بين 20000 – 10500 عام قبل أيامنا). تعتبر تلك الفترة واحدة من الحقبات الزمنية الهامة في تطور البشرية، إلا أن دراستها استندت حتى الآن على حفريات صغيرة ونموذجية في أنحاء البلاد. ويعتبر الموقع في وادي السياح الموقع الأول الذي تجرى فيه الحفريات بهدف دراسة تلك الحقبة الزمنية بشكل اساسي وجذري.
من بين المكتشفات كانت أدوات الصوان وعظام الكائنات الحية خاصة الغزلان والأيل الأسمر (الأوروبي). اما المكتشف الأكثر أهمية وإثارة، كان قبرا مبنيا من لوحان من الحجارة، دفن داخله رجلا (تراوح جيله عند الوفاة ما بين 25-30 عام). ويعتبر هذا القبر واحد من أقدم القبور المبنية المعروفة لنا. للفترة ذاتها، نسب الباحثون البعض من الأرضيات المرصوفة بالحجارة الصغيرة والتي تم الكشف عنها خلال التنقبات التي أجرتها جامعة حيفا عام 1990.
أما الى الشرق من معصرة العنب (الموقع رقم 49 في الخارطة للمسح الأثري)، فقد تم توثيق بقايا فرن لصناعة الفخار لم يكن بالإمكان تحديد تاريخه لقلة المكتشفات.
الى الجنوب من الموقع (في شارع الملك سليمان) تم العثور على مغارة تاريخها الفترة الكنعانية الوسطى (2400 – 2000 عام قبل أيامنا) وعلى البعض من أفران لصناعة الفخار لم يتمكن الباحثون من تحديد تاريخها لقلة المكتشفات.
وادي السياح: على امتداد الوادي يمكننا مشاهدة بعض المعالم والمواقع الأثرية والتاريخية أبرزها:
- بستان خياط: تعود بدايته الى العام 1936 وهو تابع لعائلة الخياط (أسسه عزيز خياط)، مساحته قرابة 6.5 دونم. بني البستان بإيحاء من البساتين العربية وهو يشمل الشلالات ونوافير المياه، أحواض وقنوات لجلب المياه للبستان. بعد وفاة عزيز الخياط، عام 1943 إنتقل البستان الى إبنته لوسي، وعام 1972 تم بيعه لبلدية حيفا التي أعلنت عنه موقع تراث يجب حفظه وصيانته. إلا أن مخططات البلدية لتأهيل البستان وصيانته لم تُنفذ. عام 2008 تأسست اللجنة للحفاظ على البستان والتي من بين أعضائها: الجمعية لحماية الطبيعة، الجمعية للحفاظ على التراث والمواقع التاريخية، مجموعة من المعمارين وغيرهم. تهدف اللجنة للحفاظ على البستان وتأهيله.
- مُجمع الكنيسة والدير:
إستمرارا الى أعلى الوادي وقرابة منتصف الطريق، نصل الى مُجَمع الكنيسة، حيث يمكننا مشاهدة عدة مكونات في الموقع التي تروي معا قصة بداية الرهبنة الكرميلية في البلاد خلال العصور الوسطى: في الضفة الشمالية من الوادي وفي سفوح جبل الكرمل، هنالك الكهوف المنحوتة في الصخر الجيري والتي استعملها الرهبان مسكنا لهم. الأبرز من بينها مغارة مكونة من طابقين، كما يبدو فقد استعملت لأول مرة مسكنا للمتنسكين والرهبان خلال الفترة البيزنطية. وفقا لشكل مدخل المغارة فعلى الأرجح كان لها بابا مصنوعا من الخشب لم يُحفظ حتى أيامنا. في جدارها نُحت كوخٍ صغر طوله أقل من متر واحد. في إحدى زوايا الغرفة في الطابق الأسفل نُحِتت 11 درجة التي أدت الى الطابق الثاني في المغارة.
في الضفة الجنوبية من الوادي، لا زالت بارزة آثار الدير والكنيسة: وفقا للحفريات الأثرية التي أُجريت في المنطقة، نستدل ان الموقع كان مستوطنا إبتدأ من الفترة البيزنطية (القرن الخامس ميلادي) واستمر إستعماله حتى العصور الوسطى (القرن الثالث عشر ميلادي).
خلال العصور الوسطى، إستوطن الرهبان الكرمليون في الكهوف، وبنوا الكنيسة على الضفة الغربية من الوادي. كما أنهم استغلو الأرض الخصبة على ضفاف الوادي للزراعة. تكونت الكنيسة من طابقين وهي مبنة من الحجر الكلسي المحلي. من الجهة الغربية أحاطت الكنيسة سوراً مبنية من حائط مزدوج. هُجر الموقع بعد انهيار المملكة الصليبية.
- عين أم الفرج:
الى الشرق من مبنى الكنيسة وعلى بعد بضعة أمتار منها، نصل الى عين أم الفرج، وهي عبارة عن حوض مستطيل الشكل (2 X 1 مترا) نُحِتت في الصخر الجيري. تصل أليها المياه النابعة من عين أم الفرج عبر قناة منحوتة في الصخر الجيري بأماكن معينة ومبنية من الحجر بمواقع أخرى. وقد ذُكرت الحوض والقناة عند الرحالة فيكتور جيرن، وفي المسح الذي أجراه كوندر وكيتشنر خلال القرن التاسع عشر.
الآثار البحرية:
تقع كفار سمير على الشاطئ مباشرة ومن هنا فلها مكتشفات وتراث بحري. الأبرز من بين تلك المكتشفات تم العثور عليها خلال المسح الأثري عام 1991-1995 (بإدارة الباحث أهود جليلي من قبل سلطة الآثار) والحفريات الأثرية عام 2014 والتي جرت بالتعاون مع جامعة حيفا. للتقرير الكامل باللغة الإنجليزية عن نتائج المسح الأثري الرابط: http://www.hadashot-esi.org.il/Report_Detail_Eng.aspx?id=25105&mag_id=124).
تم العثور خلال المسح على بقايا إستيطان يعود الى العصر الحجري الأخير والذي كما يبدو تواجد في تلك الحقبة بمقاربة الشاطئ، إلا أنه غرق تحت البحر بأعقاب ارتفاع مستوى مياه البحر نتيجة لذوبان الثلوج في القطب. بين المكتشفات بقايا أرضية مرصوفة من الحجر الصغير، وبقايا بئر حفرت في طبقة الرمال. خلال الحفريات عام 2014، تم التنقيب داخل البئر واتضح أنها مبنية من طبقات من الحجارة والخشب. يعود تاريخ البئر الى قرابة 7800 عام قبل أيامنا وهي أقدم بئر بناها الإنسان تم الكشف عنها حتى الآن. كذلك تم العثور على بقايا طبق من الخشب وأجزاء لسلة من القش، كما يبدو استعملت في صناعة زيت الزيتون بالموقع. وفقا لنتائج فحص كربون 14 يعود تاريخ السلة إلى 5000 – 4730 عام قبل الميلاد. تعتبر تلك المكتشفات بأنها الإثبات لأقدم صناعة زيت الزيتون في العالم.
بين أبرز المكتشفات خلال المسح الأثري قطع من الزجاج والتي هي عبارة عن كتل زجاج خام وصل وزنها الى 70 كغم. يعود تاريخ تلك المكتشفات الى سفن غرقت في شاطئ حيفا امام كفار سمير خلال الفترة الرومانية بين الأعوام 230-235 ميلادي. تعتبر تلك المكتشفات دلالة مباشرة على التجارة البحرية في الزجاج الذي كان على متن سفينة، كما يبدو في طريقها الى شواطئ آسيا وأوروبا وغرقت صدفة أمام حيفا. طريقا آخر للتجارة كان بين شواطئ بلادنا ومصر، إذ تم إحضار مادة كلوريد الصوديوم من مصر الى شواطئ عكا لإستعمالها في صناعة الزجاج الخام




