الأمان في الطرقات
الشيخ رشاد أبو الهيجاء
إمام مسجد الجرينة ومأذون حيفا الشرعي
إن الأمن والأمان نعمة عظيمة لا يعرف قيمتها الا من حلت به المصائب او ابتلي بفتن عظيمة في حياته , عندها نفسه تتطلع الى الهدوء والدعة , ولذا لما خاطب ربنا أهل قريش خاطبهم بنعمة الأمن النفسي والغذائي فقال ( فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ) ومما يقلق في أيامنا أن مجتمعنا العربي فقد نعمة الأمن , وذلك لانتشار ظاهرة القتل المتعمد بإطلاق الرصاص , أو بحوادث السير المتعددة وكل ذلك يتعارض مع مقاصد الشريعة والدين , فحوادث السير تؤدي كما نعلم الجميع الى ازهاق أرواح الناس وتلاف أموالهم وتيتيم أطفالهم وترميل نساءهم ودمار لأسر كانت آمنة مطمئنة , عدى عن القتلى الذين يقعون ضحايا لهذه الحوادث نجد ان من الناس من يصبح معاقا بقية حياته فلا يقوى على القيام بواجبه نحو اسرته ومجتمعه ومنهم من لا يقوى حتى على عبادة ربه بل ومنهم من يصبح عالة على هؤلاء بعد أن كان رب الاسرة والمعيل لها , ولو قارنا ما يحصل في شوارعنا وبين الحروب التي تقع بين بعض الدول لوجدنا أن من يقتل من أبنائنا رميا برصاص على يد أبنائنا ومن يقتل نتيجة التهور والتسرع أكثر بكثير من حرب ضروس دائمة بين جيوش دول , وهذا الواقع يدل على عظم الكارثة التي تحرق بلظاها مجتمعنا العربي ذلك لأنه ما من محب لمجتمعه ويشعر بانتمائه الى هذا المجتمع الا ويتقطع قلبه حسرة وندامة على فقد أي انسان , فمجتمعنا اعتاد أن يكون ( كالجسد اذا اشتكى منه عضو تداعى له باقي الجسم بالحمى والسهر ) ولا يحل بنا هذا الامر الا لتفريط البعض وتهاونه بالنفس البشرية التي كرمها ربنا ( ولقد كرمنا بني آدم ) لانعدام المسئولية الملقاة على عاتق كل واحد منا ( كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ) فالأب راع ومسئول عن رعيته وتتضاعف هذه المسئولية مع التطور الحاصل اما بوسائل التنقل التي أصبحت تسابق الريح كما يقال واما باستعمال أدوات التواصل الاجتماعي وعرض السباق الحاصل في الشوارع , ويكفي لحظة لتحول الفرحة والسعادة والنشوة الى مأتم وحسرة وندامة , وكل واحد منا مسئول عن نفسه وعن اسرته وعن محيطه وعن الممتلكات العامة عند استلامه المقود ولا يحق لنا بتضييع هذه الأمانة بسرعة او باستهتار في الشارع الذي أصلا يعتبر ملكا عاما للناس ومن حق كل انسان ان يشعر حين وجوده عليه انه آمن وهذا يدعونا الى التفكير واستعراض ما يحصل في الشوارع والخطر الأكيد من استعمال السيارة بشكل غير آمن أو استعمال الهاتف الجوال الذي حتما سيؤدي الى الضرر ولا شك أننا لاحظنا من خلال سلوك السائقين مدى تأثير الهاتف على التركيز فهو يشبه من يغطي عينيه ويشغل فكره بأمور خارجة عن حاجة الطريق وبقيادة السيارة بسرعة عالية ,وفي لحظة ينتهي كل شيء وهذا الواقع يحث الجميع على ضرورة مراجعة النفس والجلوس افرادا وجماعات لدراسة الواقع ونشر الثقافة السليمة التي تضمن لأبنائنا الحياة الآمنة وكما بدأت حديثي فإن هذا القتل في الشوارع يضر بمقاصد الشريعة ومنها مقصد حفظ النفس , فحفظ النفس مقصد من مقاصد الدين لأن النفس كرمها الله واقسم بها لمكانتها عنده جل في علاه فقال ( ونفس وما سواها ) وقال ربنا وهو ينهى عن قتل النفس فقال ( ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما * ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا ) وقال ( ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون ) فاذا كان هذا التحريم والتحذير الرباني من قتل النفس فكيف هو الحال بما يعبث بنفسه وبأنفس الناس معا من خلال استعماله للشارع فيسرع او يستخدم الهاتف او يمر باشارة المرور المانعة والتي تنظم السير في الشارع مما يعرض حياة الناس للخطر الأمر ,وهذا يوحي الى التهاون بالنفس المعصومة والحاق الضرر بها , وتحد لخلق الله وحكمته وتعد على قدرته ومنته , حين ينشرون الرعب والفزع والهلع بين الناس وبطرق شتى ويزهقون النفس التي حرم الله القائل ( ومن أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ) وبعد كل حادث قتل رميا بالرصاص أو بحادث عمل او سير وغير ذلك تطرح أسئلة ومنها : ما ذنب هذه الأم وذاك الأب الذين فقدوا ابنهم ليحملوا حسرة هذا الفعل إلى أن يلقوا ربهم ولا تنطفئ النار التي في صدورهم ؟ ما ذنب هؤلاء الأطفال ليكتووا بنار اليتم وقد فقدوا المعين والمعيل بلحظة غضب او بتهور وتسرع ؟ ماذا سنقول لمن بترت أطرافه وكيف يمكن تبرير فعل المستهترين بأرواح العباد ؟ واذا رد الجميع للحساب يوم القيامة فكيف سيجيبون الله الذي سيوقفهم للحساب ؟ ( قفوهم إنهم مسئولون ) فالمسئولية ملقاة على عاتق الجميع . ملقاة على عاتق المربين ,وعلى عاتق الآباء وعلى الجمعيات والمؤسسات الرسمية والخاصة ( كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ) لذا يجب فتح قنوات التواصل مع الشباب وتوجيههم الى الطريق السوي الذي يحفظ لهم ولآبائهم ولمجتمعهم الكرامة وعزة النفس








