كَسْر التّابو…
بقلم رشدي الماضي
تذهبُ أكثر من دراسة أدبيّة إلى التّأكيد بأنَّ المبدع الذي يتبع “التّابو” الأَوّل في الكتاب يظلّ دائما يمشي خلف الآخرين…
يعيدنا هذا التَّأكيد ألى مقولة القدماء:- “لا يُمكنكَ أن تبني بيتاً داخل بيت”، وكذلك إلى خَلف الأَحمر حين دَفَعَ أبا نُواس إلى حفظ أَلف بيت مِن شِعر العرب، ثُمَّ دفعهِ ثانيةً إلى نسيانها…
طبعاُ، لا يخفى في هذا الجزء الثَّاني أَراد خَلَف الأَحمر أَن يُؤكّد ضرورة خروج المبدع من الأَسْر ومن عُبُوديَّةِ الشَّكل المْحدّد سلفا الذي عَبَّر الشَّاعر عَنْهُ بقولهِ:- “ما أَرانا نقول إلّا مُعَادا” وهذا، بهدف وضع الشّاعر أمام ذاته، ليصير بالنّتيجة شاعراً بتوقيعهِ، لا بتوقيع غَيْرِهِ…
نقرأ كذلكَ هذهِ الرُّؤْية في فكر الفارابي حين أكَّد على ضرورة الخروج مِن أَسْر المُسْبَق، لأَنّ البيت المَبْني بدعائمِهِ وباختياراتِهِ الهندسيّة، لا يمكن أن يكون ظِلّا لغيرِهِ…
وكيف لا!!! والمعروف أنَّ الوجود بالذّات، يعني وجوداً بالإضَافة، لا وجوداً بالتّكرار. أَو وجوداً بظلّ. ولعلَّ في هذا ما يجعل الظّلَّ خَلْفاً لا أمَاما…
وبعودة إلى الشِّعريّات العربيّة نرى بأَنّها ظلَّت، بَدْءاً من شِعْريّة القصيدة، إلى الشِّعريات المعاصرة، تعيش لدى مبدعيها نوعاً من السَّعْي الحتيث بهدف ضمان قاعدة لرسوّ أَشكالها، والصُّمود أمام العواصف التي تسعى لخلخلِتها.
وهنا، لا بُدَّ أَنْ نُسجِّل أَنَّ الشَّكل الأكثر ثباتا في مشهدنا الشّعريّ على مَرّ العصور والأجيال، هو شكل “القصيدة” الذي صمد لأكثر من أربعة عشر قرنا، وحتى في أوقات انحسارِهِ وضُمورهِ بقي حاضراً كمفهوم وكبنية، في كثير مِمّا نُسَمّيهِ بالشّعر المعاصِر…
بمعنى، أَنّ “الآخر” القديم ظلَّ حاضراً في وجودِنا… ويَحثُّنا على اتّباع “التَّابو” الأول ومواصلة السَّير وراء الآخرين…
وهذا ما رَفَضَتْهُ وترفضُهُ القصيدة الحديثة، رَفْضاً أدّى بها إلى كَسْر “التّابو” بهدف انجاز نوْع الإختراق الصَّحيح، وهو الذي أصبح إحدى الضّرورات الكُبرى لِفكر المُغايرة والاختلاف، لِتُكرِّسَهُ اساساً متيناً لِكُلِّ فِكْرٍ حداثيّ مبدع وخَلَّاق…




