الاستقامة بالمحاسبة
الشيخ رشاد أبو الهيجاء
إمام مسجد الجرينة ومأذون حيفا الشرعي
نطلب من الله ان يهدينا الصراط المستقيم في كل ركعة من ركعات الصلاة وعند كل أمر ذي بال حيث نقرأ بفاتحة الكتاب التي فيها ( اهدنا الصراط المستقيم ) أي اهدنا الطريق الذي يوصل الى مرضاتك , ويكون ذلك بالابتعاد عن كل طريق معوجة لا توصل سالكها الى النجاة في الدنيا والآخرة وقد عرف احد الصالحين الاستقامة المطلوبة فقال ( توبة بلا إصرار , وعمل بلا فتور , وإخلاص بلا التفات , ويقين بلا تردد ) وهذا التعريف يحتاج الى وقفات عند معانيه ولكني اقف سريعا عن قوله (توبة بلا إصرار ) معناه نجده بقوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا توبوا الى الله توبة نصوحا ) أي توبة خالية من الشوائب وهذا يلزم طالب الاستقامة ان يتخلى عن هوى نفسه ويستسلم لأمر الله يدور مع كتاب الله حيث ما دار وقد امر رسولنا الكريم بهذه الاستقامة بقوله تعالى ( فاستقم كما أمرت ) فاستقام وكان خير قدوة للناس مع ما تحمله من مشاق العمل وضنك الحياة حيث اعلنها من اول يوم ( قضى عهد النوم يا خديجة ) فاسرع الشيب الى رأسه فقال ( شيبتني هود وأخواتها ) أي عرف مراد ربه فاستجاب لجلاله بمعرفة وفهم للإرادة الربانيه , ومن كملت معرفته بربه عظم عنده امره ونهيه فإذا سمع أمر سارع الى العمل والتنفيذ دون تردد ودون ان تتحكم به اهواء نفسه الامارة بالسوء قال تعالى ( ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) وحتى يصل المرء الى منزلة الاستقامة عليه أولا ان يجتهد في تقويم نفسه أي جعلها قائمة دون اعوجاج وهذا يكون بالمجاهدة لان ذلك يتطلب التخلي عن تبعات الجاهلية والظلم والتعدي فيعمل على تأديب نفسه بضبط جوارحه من يد او لسان اوعين الى غيرها مما يلزمه ان يطير بجناحي الخوف والرجاء , أي يضع نصب عينيه مخافة الله ويطلب من الله الرحمة والرضوان , فمن بداء السير نحو الاستقامة فلا بد له ان يقف عند محطة أخرى بعد ضبط الجوارح ألا وهي محطة الثبات على الطريق وان يعالج نوازع النفس وأمراض القلوب ( ونفس وما سواها * قد افلح من زكاها وقد خاب من دساها ) وعندها يسلك طريق الاستقامة المسترشدة بميزان الشرع الشريف , ويعرف المستقيم بقامته التي لا تنحني امام العواصف فهو كالجبال التي لا تهزها رياح ولا يؤثر فيها كر ولا زمهرير فإن أساء اليه شخص ما ببارد القول او بشتم لا يحيده ذلك عن طريقه لسان حاله ( لا تستوى الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي احسن ) ويعتبر كل ما مر به عدم لا قيمة له لأنه ينظر الى جنة عرضها السماوات والأرض اعدت للمتقين ومن كانت همته عالية وغايته سامية لا يسلم نفسه لوساوس الشيطان ليصده عن الحق فيزيغ وينحرف عن أمر مولاه وإن ضاقت عليه الدنيا , فيقينه بأن ما عند الله خير وأطهر وكما قال احدهم ( ان امتناع الدنيا وسيل زخارفها لا يشغله عن ربه ولا يلهيه عن طاعته , وصفو الكلام ) فالمستقيم يصبر في الشدائد , ويثبت عند المصائب , ويعرض عن الجاهلين , ويصفح عن من اساء اليه , ولا يكون للهوى والشهوة سلطان عليه ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) وهذا فصل الخطاب لمن استقام عن ابن عمر ين عبد الله قال : قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحد غيرك . قال : ( قل آمنت بالله ثم استقم ) وهنا يـأتي دور المحاسبة لأن المستقيم يحاسب نفسه اشد من محاسبة الشريك لشريكه وقد نصب امام عينيه قول الله تعالى ( ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكبر إلا هو معهم أينما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم ) وقول رسول الله ( الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت , والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله ) وقد خطب احد الصالحين قديما فقال ( ألا رب مهين لنفسه وهو يزعم أنه مكرم لها , ومذل لنفسه وهو يزعم أنه مراع لحقها , وكفى بالمرء جهلا أن يكون مع عدوه لنفسه يبلغ منها بفعله ما لا يبلغه منها عدوه )










