معرض كاليفالا لفنان الحروفية كميل ضو يرقى إلى العالمية
نايف خوري
تبدو كلمة كاليفالا لسامعها كالأحجية التي يحار العقل في فكّ رموزها. ولكن عندما نشاهد 32 لوحة في فن الحروفية للفنان كميل ضو، ندرك البعد الأدبي والإبداعي للكاليفالا. أما كاليفالا فهي كتاب وملحمة شعرية جمعها العالِم اللغوي الفنلندي الطبيب إلياس لونروت (1802-1884)، من الفولكلور الفنلندي في منتصف القرن التاسع عشر، وتضم 65 ألف بيت من الشعر الكاليفالي. وهي تعتبر ملحمة وطنية فنلندية، وتصنّف على أنها إحدى أهم أعمال الأدب الفنلندي. ويعزى للكاليفالا بعض الفضل في الإلهام بالصحوة الوطنية، التي قادت في نهاية المطاف إلى استقلال فنلندا عن روسيا في عام 1917. وتمكّن الدكتور لونروت من تأليف معجم فنلندي– سويدي من 200 ألف لفظة. ولذلك لُقّب بالأب الثاني للغة الفنلندية. فتحوّل د. لونروت إلى بطل قومي فنلندي.
وتعني كاليفالا حرفيًا “أرض كاليفلا” وهي فنلندا. فكاليفلا هو في الحقيقة اسم الجد الأسطوري للعرق الفنلندي. تتحدث الملحمة عن خلق الأرض والسماء والنجوم وسائر المخلوقات.
نقلها إلى العربية للمرة الأولى، الشاعر والروائي سحبان أحمد مروّه، وهو فنلندي من أصل لبناني. وما قام به الفنان كميل ضو، هو دراسة هذه الملحمة، ورسم لوحاته التي عبّرت عن شخصيات الكاليفالا، وأحداثها الأسطورية، وعرضها في متحف مدينة كوهمو مدة ثلاثة أشهر، وشاهد هذا المعرض آلاف الزوار، ومتذوقي الفنون الراقية في فنلندا. وهذا ما حدا بمدير المتحف أن يأتي إلى البلاد هذا الأسبوع يرافقه عدد من إدارة المتحف، لزيارة الفنان ضو في مرسمه بحيفا. ولافتتاح هذا المعرض على المستوى الرسمي، وبحضور ممثلين عن السفارة الفنلندية في البلاد. إذ أن مركز كيميديا يختصّ بهذا التراث الفني، ويعنى بالخط العربي والحروفية، كما يشجع إقامة المعارض الحروفية والدورات المختلفة في الخط العربي للطلاب وللجمهور.
شِعر الكاليفالا، ليس مديحًا يُكال لطبقة نبيلة، ولا إشادة بحكّام، أو سادة، بل هو شعر نظمته وغنّته العامة لمتعتها هي. وكما يلاحظ قارئ الملحمة، فإن مجتمع الكاليفالا خلا من النخبة والنبلاء، ولا أبطال فيه خارج دائرة الشعب. أبطال الكاليفالا ليسوا آلهةً، بل بشرا. والمخلوقات الواردة في النص، ليست إلا تشخيصًا ضبابيًا لقوى الطبيعة. من مقدمة المترجم، نعرف أن نصوص الملحمة في الأصل، كانت شفهيّة عامة، تداولها الناس عبر الأجيال، منذ زمان بعيد، وحتى منتصف القرن التاسع عشر غناءً وإنشادًا. ولم يكن المنشدون من المحترفين، بل كانوا من عامّة الناس، غنّوا هذه الأشعار في لحظات الراحة والاسترخاء.
كان صدور الكاليفالا في كتاب أو مجلّد، علامة ومنعطفًا في تاريخ الثقافة الفنلندية، لأن الملحمة أتت برهانًا على مقدرة اللغة الفنلندية على الإبداع (بعد توحّد لهجاتها بفضل الملحمة وجامعها) وكردّ ثقافي رفيع على عمرٍ مديد من الازدراء والتعالي، مارستها الشعوب والثقافات المجاورة الأخرى لفنلندا، والتي نعتت الشعب الفنلندي بالبربرية، وبالسقوط في التاريخ. ونجد في التاريخ البشري عددًا لا يستهان به من الأساطير التي تروي ثقافات الشعوب وحضاراتها، ابتداءً من البابليين والفنيقيين والفراعنة، والإغريق وسواهم من الشعوب القديمة والحاضرة. يجد المرء أبطال الكاليفالا، أشخاصًا ممتلئين حياة وحضورًا، وإن لم تخلُ شخصياتهم من ملامح أساسها مفاهيم سحرية كانت قائمة. وقد امتدّ تأثيرها إلى أوربا والولايات المتحدة الأمريكية، وترجمت إلى ما يزيد على ستين لغة في جميع أنحاء العالم.
تجدر الإشارة إلى أن الدولة الفنلندية، ومنذ عقود، تحتفل في 28 شباط، فبراير، من كل عام بيوم الثقافة الفنلندي، وهو التاريخ الذي كتب فيه د. إلياس لونروت مقدمة الطبعة الأولى من ملحمة الكاليفالا في العام 1835.
أبطال الكاليفالا
أول أبطال الملحمة اسمه “فاينا”، وهو رجل شامان، أي طبيب مشعوذ، ويعني ذلك علاقته بعالم الغيب، والما ورائيات. وهو رجل حكيم عازف ومغنّ. فالأغنية رُقية، أو تعويذة، أو تلاوة سيرة مقدسة. ثم إن غناء أو إنشاد قصيدة الكاليفالا، لا يقتصر على واحد، بل يلزمه اثنان، يجلس الواحد منهما قبالة الآخر، فيشبكان اليد اليمنى باليسرى، واليد اليسرى باليمنى، ثم ينشد أحدهما بيتًا، وقد جذب صاحبَه إليه، حتى إذا فرغ، أنشد الثاني البيت التالي، جاذبًا زميله إليه. والعازف يعزف على آلة موسيقية تدعى “الكانتلة”، وهي تشبه القانون الشرقي، حتى يَفرغَ الإثنان من النشيد، ويُفرغَ السمّار دِنان الجعّة وسائر الشراب، حتى آخر الليل.
البطل الثاني حدّاد عجيب، اسمه “إيلماري”، يمثل انفصال الحدادة، عن الزراعة، لتصير وحدة إنتاج مستقلة. وحدّاد الملحمة هذا، صنع “السامبو”، وهي إحدى أعاجيبه، والسامبو طاحونة، صنعها من ريشة وحبّة حنطة، وما إلى ذلك من معجزات، وقدّمها مَهرًا لسيدة الشمال كي تزوجَه ابنتَها. وينتهي الأمر بالسامبو إلى التحطّم على مقربة من شواطئ البلاد.
البطل الثالث اسمه “أهتي”، ولقبه “كاوكو ميالي”، أي ما يعني خليّ البال. وأهتي هذا، شاب أرعن، ظريف، مرح، همّه ثالوث اللذّة الأحمر، أي المرأة والخمرة والطعام اللذيذ، فضلا عن الغزو. وفي إحدى مغامراته يسقط قتيلا، ويُقطّع إربًا، لكن أمه، تخِفّ إلى نجدته، فتنزل إلى الهاوية، وتصطاد جثته المبدّدة من نهر الهاوية، وتخرجها وتلحمها من جديد، وتستعيد ابنها، بفضل العسل السماوي، الروح، فيستوي قائمًا ليعود إلى ما كان عليه.
البطل الرابع اسمه “كولرفو”. وتكاد تكون حكايته منفصلة عن سواها. فهو شاب ترعرع يتيمًا بسبب عداوة بين أبيه وعمّه، وكان يحسب أن أهلَه ماتوا، ولكنه يعلم أنهم أحياء من فتاة أغواها، وضاجعها، ثم تبيّن له، أنها أختُه التي انتحرت بعد أن عرفت حقيقة هوية الفتى، وقد ثأر لها ولأهله ولطفولته، حتى إذا فرغ من الثأر، لم يجد لحياته معنى، فانتحر. وشخصيات أخرى كثيرة، لا مجال لذكرها هنا. تجدر الإشارة إلى أن حكاية كولرفو هذه، هي التي أوحت إلى الموسيقار الفنلندي الشهير جان سيبليوس (1865 – 1957) برائعته كولرفو.
تنتهي أحداث الملحمة بميلاد ابن مارياتا، الذي سرعان ما نُصّب ملكا على كاريالا، الأمر الذي أثار حفيظة فاينا، فحمله على ركوب زورقه، ومغادرة البلاد إلى أجل غير مسمى، فهو يشترط حاجة الناس إليه ليعود، ولكن الناس، كما يبدو، يكفيهم ما هم فيه، ولا يحتاجون رُقى الراقي، ولا تعاويذ المشعوذ.
عندما يرسم كميل:
أخذ كميل ضو من الشعر ورسم، تحدّث عن البيضة، الرحم، التي يولد منها الجنين وكل البشر، ولدوا وتحطّم البيض. ثم يجعل لوحة البطل في استراحة المحارب، تلفحه الشمس من الخلف، ويفتح الأفق أمامه المدى الشاسع. ويجعل في لوحة أخرى الدائرة التي لا تنتهي، المتكاملة، والتامة. في بؤرتها معجزة سامبوا. وينتقل بين المخلوقات التي ظهرت في الأجواء، وأعماق البحار وطيور البرّ. ولكنه يتقدم نحو خطوط المستقبل في تشابك الطرق والسبل التي يسلكها الناس. وإذ يرتفع الإنسان يسيطر على الأجواء والبراري واليابسة. ويكتب صفحة من الكاليفالا بخطّها الأصلي الأصيل. ويعود إلى شخصيات هذه الملحمة التي تولد من رحم الإلهة “ماريانا”.
تمكن كميل في لوحاته الاثنتين والثلاثين أن يجسّد لنا الفكر الفنلندي، وهذه الأسطورة التي تعلن خلق العالم، وتنبئ بضرورة الانتفاض ضدّ الظلم، ضدّ الموت، ضدّ الذلّ والخنوع.. ولا بدّ أن يقوم الشعب الذي أراد الحياة، وأن يستجيب له القدر.
في حفل الافتتاح في مركز كيميديا للفنون، في حيفا، الذي تولى عرافته المصمم الغرافي فادي كميل ضو، والذي ترجم الكلمات من وإلى اللغة الفنلندية، تحدّث مدير متحف يومينكيكو السيد ماركو نويمينين وقال: تجدر المقارنة في هذا المعرض بين أعمال الفنان كميل ضو من الناحية العالمية، وبين أبطال الكاليفالا أصحاب الكلمة والفنانين. وأضاف: أنا أرى أن كميل ضو هو بمثابة أحد أبطال هذه الملحمة أيضا. لأن الفنان كميل ضو خلق من خلال لوحاته الحروفية لونًا مميزًا لشعر الكاليفالا، فالمعرض يفتح أمام المتلقّي آفاقا جديدة، ويتكلم عن الوحدة والتعاون بين الشعوب. ونحن مسرورون بانتقال المعرض إلى حيفا، وبعدها سينتقل إلى فلسطين.
ثم تحدّثت واحدة من كبار الموظفات في متحف يومينكيكو الفنلندي، أولغا زايتسفا قالت: إننا مسرورون أن نكون معكم في هذا المساء، ففي العام 2015 عندما زار الفنان كميل ضو متحف يومينكيكو لنرتب لمعرضه في فنلندا، لم نكن نتوقع أن نقف اليوم في حيفا، في هذه الصالة الرائعة، لنعرض هذه اللوحات الحروفية للكاليفالا. وأضافت: إن 32 لوحة للقصائد الشعرية من أعمال الفنان كميل ضو، عرضت في المتحف في كوهمو الذي يقع في مدينة على مقربة من المكان، الذي جمع فيه العالم اللغوي إلياس لونروت هذه الأشعار. ولذا قرر المتحف أن يعرض للفنان كميل لوحاته الحروفية في فترة الربيع والصيف، حيث يئمّ المتحف آلاف الزوار لمشاهدة المعرض. ومضت تقول: نحن نشكر الفنان كميل ضو لأنه جلب الحروفية العربية لشعر الكاليفالا، التي هي شعر هام وتاج الأدب الفنلندي والعالمي.
وقال الشاعر والمربي الأستاذ حنا أبو حنا في حفل الافتتاح: إن موهبة الفنان كميل ضو برزت منذ كان طالبًا في الكلية الأرثوذكسية، وبرع في كتابة الخطوط العربية كلها، وبعد تخرّجه وإتمام دراسته الأكاديمية التحق بسلك التعليم في مدرسة مار يوحنا الإنجيلية، وأخذ يدرّس الخط العربي، ويؤلّف الكراسات التي يتدرب عليها طلاب المدارس في مجال الخط. وعمل كميل على تنمية مهاراته الفنية وإبداعاته حتى أصبح فنان الحروفية بلا منازع، يرسم اللوحات الجميلة، ويقيم المعارض المتنوعة في البلاد والعالم. وهذا فتح أمامه آفاقًا واسعة لينطلق بفنه نحو العالمية، واستطاع أن يرسم هذه الكاليفالا، كملحمة شعرية عظيمة. والجدير بالذكر أن كتاب الأستاذ حنا أبو حنا “ظل الغيمة” ترجم إلى اللغة الفنلدية أيضا.
ومن المقرر عرض هذه اللوحات الرائعة في 28 شباط 2020 في السفارة الفنلندية في البلاد، وهو اليوم العالمي للكاليفالا. ثم تحدّثت نائب السفيرة في البلاد، حين تكلمت باللغة العربية وحيّت بالحضور، وقالت رغم أن الوضع في الشرق الأوسط ليس على ما يرام، لكنني أرى بهذا المعرض طريقة لتقريب القلوب بين الشعبين. وشدّدت على التعايش والمشاركة بين العرب واليهود في حيفا. وشكرت الفنان كميل ضو على هذا العمل الرائع والقيّم الذي هو مصدر اعتزاز وافتخار.
وما أثار إعجاب الحضور، وخاصة الوفد الفنلندي، عزف مقطوعات من الموسيقى الشرقية، قدّمتها الفنانة ليان حويلا، التي تدرس الموسيقى في معهد “الكرمل”.














