ازدادت أعداد المحتاجين لصدقة رمضان في المجتمع الحيفاوي

مراسل حيفا نت | 09/06/2017

الشيخ رشاد أبو الهيجاء، إمام جامع الجرينة
ازدادت أعداد المحتاجين لصدقة رمضان في المجتمع الحيفاوي
لقاء أجراه نايف خوري
(تصوير: وائل عوض)
حثّ الإسلام المرء على التّصدّق، فالصّدقة تجارةٌ رابحةٌ مع الله تعالى، تعود على صاحبها بالأجر والخير والبركة في المال، لكنّها تنقطع بموته وينقطع أجرها معها. ومن رحمة الله وكرمه أن فتح بابًا لعباده لتستمرّ صدقاتهم ويستمرّون بالحصول على الثّواب حتى بعد موتهم، وذلك ما يسمّى بالصّدقة الجارية. مفهوم الصّدقة الجارية عن أبي هريرة (رضي الله عنه) أنّ النّبي (صلى الله عليه وسلّم) قال: “إذا مات الإنسانُ انقطع عنه عملُه إلّا من ثلاثةٍ: إلّا من صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ ينتفعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له”. الصّدقة الجارية هي الوقف، وثوابها يصل إلى الميّت بإذن الله تعالى، ومعنى الوقف حبس الأصل وتسبيل المنفعة، كحفر بئر ماء مثلًا، فينتفع منه الفقراء والمحتاجون والعطشى، ولكن لا توهب لأحد، ولا تصبح ملكًا لأحد. الفرق بين الصّدقة الجارية والعادية، أنّ الصّدقة الجارية تبقى ويبقى ثوابها ويستمرّ بعد موت الإنسان، كبناء مسجدٍ، أو حفر بئر ماءٍ. الصّدقة العادية لا يستمرّ ثوابها، كإطعام الفقراء، وتفطير صائمٍ، والحجّ عن الميت.
وهكذا يصبح تفطير الصّائمين وكفالة الأيتام ورعاية المسنّين – وإن كانت من الصّدقات – ليست صدقات جارية، ويمكنك أن تساهم في بناء دار لليتامى أو المسّنين، فتكون بذلك صدقة جارية، لك ثوابها ما دامت تلك الدّار ينتفع بها.
أمّا الزّكاة في اللّغة بمعنى: النّماء والزّيادة، والبركة والمدح، والثّناء والصّلاح وصفوة الشّيء، والطّهارة حسّيّة أو معنويّة، وبمعنى: زكاة المال، تطلق على ما ينفقه المتصدّق من مال، وتستعمل في ديانات التّوحيد بهذا المعنى، الذي يقصد منه العبادة التي هي بمعنى التصدّق بالمال.
والزَّكاةُ في الإسلام هي المال اللازم إنفاقه في مصارفه الثمانية وفق شروط مخصوصة، وهي حق معلوم من المال، مقدّر بقدر معلوم، يجب على المسلم بشروط مخصوصة، في أشياء مخصوصة هي: الأموال الزكويّة، وزكاة الفطر. فهي في الشّرع الإسلامي نوع من العبادات كإنفاق المال على جهة الفرض، حيث تعدّ أحد أركان الإسلام الخمسة، وتطلق الصّدقة على الإنفاق المفروض وغيره.
التقينا بالشّيخ رشاد أبو الهيجاء، إمام جامع الجرينة، وتحدّثنا معه عن تطبيق الصّدقات في المجتمع الحيفاويّ..

– ما هي الصّدقات التي يقدّمها المسلم في شهر رمضان المبارك؟
الصّدقات هي جزء من التّكافل الاجتماعي بين النّاس، وخاصّةً في مثل هذه المناسبات، مثل عيد الأضحى المبارك وشهر رمضان وعيد الفطر السّعيد. النبي عليه الصّلاة والسّلام كان يقول: “أغنوهم عن السّؤال في مثل هذا اليوم”. بمعنى ألّا يكون هناك فقير محتاج يمدّ يده للنّاس طلبًا للمساعدة. بل بالعكس أن تكون النّاس لبعضها. ولذلك خصّص النّبي عيد الفطر بصدقة اسمها صدقة الفطر. وقال عنها الصّحابة: فرض الله علينا صدقة الفطر بصاع من التّمر أو صاع من البُر (قمح) أو من الشّعير. الغاية من هذه الصّدقة هي تكفير عن إنسان مخطئ. من الممكن أن يخطئ الإنسان بالكلام المسيء للآخرين أو بالفعل الذي يؤذيهم، فيفسد الصّيام. وحتى يكفّر عن ذنبه يقدّم ما يطعم به المساكين. والمسكين يحتاج إلى طعام، وقد أدّاها قبل صلاة العيد. فهي صدقة مقبولة. والغاية منها إطعام المساكين وقضيّة التكافل الاجتماعي بين الناس. أي أن لا يكون هناك الشّبعان وجاره جائع. والحديث يقول عن النّبي عليه الصّلاة والسّلام ويقسم لهذا: والله لا يؤمن.. والله لا يؤمن.. والله لا يؤمن. قال من يا رسول الله؟ قال من بات شبعانًا وجاره جائع وهو يعلم. هذا بشكل عام يوميًّا، فكيف في كلّ عيد؟ أن يفرح الإنسان مع أهل بيته وفي نفس الوقت هناك إنسان فقير. وحتّى يكمل الإيمان عليه أن ينظر بعين الرّحمة إلى جيرانه ومن هم حوله.

– هل تُحسب الصّدقة للمسلم في فترة العيد فقط؟ أم أثناء شهر رمضان؟ أم طيلة السّنة؟
يفضّل أن يقدّم الإنسان الصّدقة من أوّل يوم في رمضان حتى آخر يوم، ويجب على كل أب أن يخرجها عنه وعن زوجته وأولاده، وهي بمقدار إطعام مسكين، هذا بشكل عام. وكذلك الإنسان غير القادر على الصّيام كالمريض أو المتقدّم بالسّن، يتوجّب عليه أن يطعم كلّ يوم مسكينًا، بمقدار مبلغ 400 شيكل. إضافةً لهذا كلّه، فقد حثّ الرسول على الإطعام وتفطير الصّائم. ومن فطّر صائمًا يخلو له دون أن ينقص من أجره شيء. قال ليس كلّنا يجد ما يفطّر عليه الصّائم. فقد يكون وضعه الاقتصادي محدود. فقال إنّي أستطيع ولو على شربة ماء أو مرقة لبن أو تمرة. هذا يكفي حتى ينال الإنسان أجرًا، وهذا على مدار كلّ الشّهر. وإذا كنت أدعو النّاس الذين هم بحاجة للإفطار فيكون أجري مضاعفًا.

– هذه الصّدقة كانت سارية في ذلك الزّمان، في عهد الرّسول. فما هو الحال اليوم؟ هل هناك بديل؟
نعم. بالنّسبة للطّعام، إذا الإنسان يدعو للطّعام يمكنه ذلك. وعندما اعتبروا الفقراء بحسب مذهب أبي حنيفة، قالوا: يصحّ أن نُخرج مقابل ذلك، فلا يصحّ اليوم أن نعطي الفقير صاع قمح أو شعير، لكن لو أعطيناه مالًا مقابل ذلك، فهذا أفضل ويصبّ في مصلحته. ولذلك كان تقدير المبلغ بنحو 12 شيكلًا عن كلّ فرد داخل الأسرة، هذا الحد الأدنى، ومن يزيد على ذلك فهو أفضل. ويقيسون ذلك على أبسط ما يأكله النّاس. ولو حسبنا صاع التّمر لكان سعره 60 – 70 شيكلًا، وصاع البُر (القمح) 12 – 15 شيكلًا. وإذا زاد الإنسان فذلك أفضل وأفضل. والله تعالى لا يضيّع مثقال ذرّة. ونحن ننادي بأن يكون العطاء أكبر من تكلفته اليوم.

– هل لدينا عائلات محتاجة أو يندرج فيها الوصف من هم مساكين؟
للأسف الشّديد، إنّ الوضع يزداد سوءًا سنة بعد سنة. لأنّ السّنة الماضية كانت أفضل من هذه السّنة، والتي قبلها كان أفضل منها. ويتفاقم الوضع كلّ سنة أكثر، ولذا يتوجّه كثيرون إلينا طالبين المعونة. وأصبح العوز شائعًا بين النّاس، فيطلبون المساعدات في العيد، وفي رمضان تحديدًا. حتّى أنّ بعضهم يقول إنّهم لا يجدون ما يأكلونه في البيت. ومنهم الّذين عندهم ستّة أولاد أو سبعة، والمعاش محدود بأقلّ من 5 آلاف شيكل، وليس لديهم ما ينفقون عليهم. فهذه الظّاهرة موجودة للأسف.

– هل عدد هذه العائلات كثير؟
بالنّسبة للعدد ليس لدينا إحصاء نهائي، ولكن المساعدات التي تأتينا نقدّمها كلّها. ونحن لا نستطيع تغطية احتياجات المجتمع الحيفاوي بأكمله. ويبقى هناك تذمّر ممّن لا نعرف عنهم. فهنا نجد عائلات محتاجة وليس لديها من يعيلها، لا الأفراد ولا المؤسّسات ولا الهيئات. ولا نجد مؤسّسات تختصّ بتقديم الزّكاة. فالعدد يقارب 250 – 300 عائلة فقط. ومبلغ 450 شيكلًا لا تفي بالغرض ولا تكفي لسدّ احتياج الأسرة، ولا يمكنها إتمام الشّهر بالمبلغ.

– هل تجد عدد المتبرّعين كافيًا؟
لأنّ التبرّعات متعلّقة بمعرفة أوضاع النّاس، فالمجتمع في حيفا مدنيّ، ومعظمه غير محتاج. ولذا يتوجّه المتبرّعون بعطائهم وصدقاتهم إلى خارج حيفا، مثلًا للضفّة الغربيّة أو القدس أو القرى خارج حيفا. والعلاقات الاجتماعيّة الرّاهنة بين النّاس، ضعيفة جدًا. وكثيرون لا يعرفون مدى احتياج جيرانهم. ولذا أولى بالمتصدّقين أن يقدّموا صدقاتهم إلى داخل حيفا فهؤلاء أولى وأولى، أي داخل البلد التي يقيمون فيها.

– هل تشجعّون النّاس بطريقة ما على التصدّق بأموالهم؟
نحن في رمضان نخصّص الوعظ وخطب الجمعة وأثناء صلوات التّراويح، لنحثّ النّاس على التّصدّق بشكل لائق وتقديم الزكاة. ولكن يبقى الأمر مفتوحًا وغير ملزم.

– المبلغ الذي يقدّم، لا يكاد يكفي لسدّ أبسط الحاجات. فهل يقدّم النّاس أي صدقات خلال العام؟
صراحة، إذا تقدّم محتاجون لطلب المساعدة، لا نجد ما نُعينهم به ولا ما نقدّمه لهم. فلا تتوفّر عندنا الجمعيّات والمؤسّسات التي تدعم للزّكاة، ويبقى الوضع صعبًا على هذه الأسر. هناك حالات نقدّم لها ما تيسّر من مساعدات، ولكنّها تبقى في نطاق ضيّق. أمّا في رمضان يدفع النّاس الزكاة والصّدقات، كزكاة المال وصدقات الفطر وكفّارة الصّيام. وبغير رمضان تصلنا مبالغ قليلة جدًا.

– أنتم، ومن موقعكم، تشعرون بأحوال النّاس وأوضاعهم، وهذا يحزّ في النّفس.
نحن نشعر بألم النّاس، ومن لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم. ونحن اليوم نتألّم لألم الآخرين في مجتمعنا، ونرغب جدًا بتقديم المعونة، ولكن المساعدات قليلة. ومؤسف، لا بل محزن للغاية أن تأتينا أسرة تطلب العون، فنقول لها بكلّ أسف، ليس لدينا ما نعطيه.

– نتمنّى أن تكون الأوضاع أفضل وأن تزداد الحسنات والصّدقات..
بوركتم على لفتة النّظر هذه.
unnamed (2)

unnamed (5)

unnamed (6)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *