حاوره: نايف خوري
بطاقة هُويّة
نزار سهيل رضوان، ولد في حيفا عام 1966، درس في مدارس حيفا وتخرّج من الكليّة الأرثوذكسيّة العربيّة، ثمّ التحق بمعهد العلوم التّطبيقيّة "التّخنيون"، ودرّس علوم الرّياضيّات وحصل على الألقاب الأوّل والثّاني والثّالث في موضوع الرّياضيّات. وهو محاضر كبير في "التّخنيون" وفي الكليّة العربيّة للتّربية. كما أنّه مدير لفرقة الموسيقى العربيّة في البلاد. متزوّج من ريم وله ولدان: يارا ويوسف.
بما أنّك محاضر كبير، وتعمل في مجال إرشاد المعلّمين وتطوير البرامج التّعليميّة، فهل لديك طريقة لتسهيل موضوع الرّياضيات على الطّلّاب؟
المسألة متعلّقة بطريقة تعليم الرّياضيّات، فيجب أن تعتمد طريقة التّعليم على الرّبط بين حياتنا اليوميّة وواقعنا بالمفاهيم الرّياضيّة. لأنّ الرّياضيّات لم تأتِ من فراغ، بل هي انعكاس للواقع المُعاش. وإثارة اهتمام الطّالب بالأمور والمجالات الرّياضيّة الّتي يواجهها في حياته، مثل أن يعرف رقم منزله أو أيّ طابق يسكن، أو الأشكال الهندسيّة يراها ويتعامل بها يوميّـًا.
كيف ترى علوم الرّياضيّات اليوم، هل تختلف عن السّابق؟
لا شكّ أنّنا نجد في علم الرّياضيّات بعض التّخصّصات، كما في سائر المواضيع، فعندما أنجزت اللّقبين الثّاني والثّالث كان تخصّصي في الرّياضيّات النّظريّة. ولكنّي اليوم أنظر إلى الموضوع بشكل مختلف، وأعتقد أنّه يجب على الأبحاث أن تكون مُجدية أكثر، للطّلّاب وللمجتمع للاستفادة منها، وتؤدّي إلى تقدّمهم في العلوم وبلوغهم المرحلة الجامعيّة. وما فعلته من أبحاث كان في نطاق الأبحاث النّظريّة الّتي تهمّ الباحثين والعلماء. ولكنّي أرى اليوم ضرورة أن تعود هذه الأبحاث بالفائدة العمليّة على شريحة أوسع من المجتمع.
هل كانت هناك أبحاث تثير اهتمام الجمهور أو الباحثين؟
كثيرًا ما كانوا يوجّهون لي السّؤال: ما علاقة الرّياضيّات بالموسيقى؟! وهذا الموضوع يثير الاهتمام، وأودّ التّأكيد على هذه العلاقة. فقد اتّضح لي أنّ العلاقة وطيدة جدًا عبر التّاريخ بين الموسيقى والرّياضيّات، ونجد اليوم من يفصل الموضوعين عن بعضهما وكأنّه لا علاقة لأحدهما بالآخر، ولكنّ العلماء والفلاسفة قديمًا رأوا كافّة الأمور مترابطة بمجملها، وعلى رأسهم ابن سيناء الّذي اعتبر العلاقة متينة بين الحساب والهندسة والفلك والموسيقى، وأصبحت هذه تؤلّف فروع الرّياضيّات.
كيف يمكن أن تكون كذلك؟
أقول أوّلًا إنّ الموسيقى والرّياضيّات بدأت منذ عهد فيثاغورس، العالم اليوناني، وقد بنى النّوتة الموسيقيّة، ليس بصورة عشوائيّة، هذا من النّاحية التّاريخيّة، وجاء بعده العلماء اليونان ثمّ العلماء المسلمون، كالفارابي وزرياب ووضعوا الموسيقى في إطار علميّ. وهذا الإطار هو الرّياضيّات، وأصبحت تجريدًا لكلّ العلوم.
هل يمكن توضيح هذه العلاقة؟
نعم؛ وببساطة نجد أنّ الموسيقى تتألّف من الرّياضيّات. حيث إنّ النّغمات الموسيقيّة هي سلسلة متواصلة ومرتّبة، فالسّلسلة هي مصطلح رياضيّ، مبنيّة على إيقاع معيّن. والإيقاعات هي مصطلحات رياضيّة أيضًا، كالإيقاع الرّباعي أو العشريّ، وفي الرّياضيّات نجد المبنى السّتّيني والمبنى السّداسي الّذي بُنيت عليه السّاعات والدّقائق والثّواني، والمبنى السّباعي المعتمد على أيّام الأسبوع والمبنى الشّهري، وغيرها. وكلّ هذه ترتيبات رياضيّة، وكذلك الإيقاعات والنّغمات الموسيقيّة، فنقول هذا إيقاع عشرة أو ثلاثة أو أربعة أو غيرها. وداخل المبنى هناك تفاصيل رياضيّة معيّنة للإيقاعات والسّكون، وهذا مبنى رياضيّ. والدّارس للموسيقى دون إلمام رياضيّ يعتبر موسيقيّـًا تلقائيّـًا، غير معتمد على أسس رياضيّة سليمة، بل يعتمد على التّكرار والسّماع فقط، ومن الأفضل أن يكون الموسيقي ملمّـًا بالنّاحية العلميّة الرّياضيّة. ومن ناحية ثانية نجد أنّ الرّياضيّات تحتوي على جماليّات خاصّة وأمور مُمتعة تشدّ النّظر والانتباه، وعندما أعلّم الرّياضيّات أشير إلى النّواحي الفنيّة، وكأنّني أقدّم معزوفة موسيقيّة. ويجب الحرص على جمال الموسيقى والاستمتاع بها وهي الّتي تشحذ الذّهن والعقل والإحساس. وكلّ من الرّياضيّات والموسيقى يكمّل أحدهما الآخر.
كيف كانت نشأتك الموسيقيّة؟
بدأتُ منذ الصّغر، أي منذ الطّفولة، حيث تعلّمت في معهد "روبين"، وكان والدي موسيقيّـًا ومعلمّـًا هناك. وأعتقد من الأفضل أن يتعلّم الطّفل الموسيقى بجيل مناسب، وأقصد من سنّ خمس أو ست سنوات، وألّا ينتظر المتعلّم بلوغه الرّابعة عشرة وأكثر، أو حتّى ينهي دراسته الثّانويّة أو الأكاديميّة. ويجب على مَن يرغب تعلّم الموسيقى وبناء نفسه موسيقيّـًا، أن يبدأ منذ سنّ مبكّرة.
هكذا كان كبار عازفي الكمان..
فعلًا، إذا نظرنا إلى قائمة كبار العازفين نجد الّذين بدأوا بسنّ متقدّمة قليلون جدًا، بينما الّذين تعلموا في صغرهم كثيرون جدًا. وهنا يلعب الأهل دورًا حاسمًا وهامّـًا بترغيب الطّفل وحثّه على تعلّم الموسيقى. ونحن اليوم نميل إلى الحريّة واختيار ما يحبّه الطّفل وما يميل إليه، لكن في السّابق كان الأهل يشجّعون أبناءَهم لئلّا يضيع اتّجاههم وميلهم الفنّي.
ما الفائدة من تعلّم الموسيقى في الصّغر؟
الفائدة تظهر لاحقًا، ولا نريد أن يقول العازف ليت بدأت في الصّغر، لأنّه عندما يمسك بالكمان ليعزف عليه يجب أن يتملّكه بصورة متكاملة، حتّى العازف البالغ 12 عامًا يعتبر متقدّمًا في السّن، ولذا يفضّل التعلّم منذ الصّغر. ولا يتمتّع كبار السّن بليونة أصابعهم كما هو الحال لدى الأطفال. وهكذا يمكن للطّفل أن يبني حياته ومستقبله مع نموّه الموسيقيّ.
ما هي الآلات الموسيقيّة الّتي تعزف عليها؟
بدأت بالعزف على الكمان، والموسيقى الغربيّة، أو الكلاسيكيّة العالميّة. ومنذ البداية قرّرت أن أتعلّم الموسيقى كما يجب وليس مجرّد هُواية ورغبة، وزادت التّمارين والتّدريبات الّتي قمت بها بإرشاد والدي الأستاذ سهيل رضوان، وكانت دروس العزف على الكمان أصعب وأشقّ من دروس الرّياضيّات واللّغات، لأنّها تتطلّب مجهودًا أكبر. وهذا يجعل تعلّم المواضيع الأخرى أكثر سهولة، واكتساب المهارات في التّعليم على الآلات الموسيقيّة يمنح المتعلّم قدرات أكبر على التّعليم. فلا يوجد تناقض، بل يمكن التّوفيق بين التّمرين على أيّ آلة، ويعطيها حقّها من التدرّب، وفي الوقت نفسه يمارس عمله ويتعلّم سائر المواضيع التّعليميّة. ومهارات العزف على الكمان جعلتني أنتقل للعزف على العود، ومن خلال العود تعرّفت أكثر على الموسيقى الشّرقيّة.
ألم تفكّر بدراسة الموسيقى أكاديميّـًا؟ بل كان اختصاصك الأكاديمي في الرّياضيّات؟
أن يكون المتعلّم أكاديميّـًا هذا مهمّ، بغضّ النّظر على الموضوع. وبالنّسبة لي فإن المرحلة الأكاديميّة هي كيفيّة بلوغ أرقى المستويات والإتقان الفنّيّ، وحاولت بجهدي الخاص بلوغ المستوى الأكاديميّ في الموسيقى. ولم أكن بحاجة لتدريس الموسيقى، رغم أنّي أقوم بذلك اليوم، ولكلّ موضوع خاصيّته. ولم أجتهد للحصول على الألقاب في مجال الموسيقى.
أنت تدير اليوم فرقة الموسيقى العربيّة. وهي فرقة عريقة، ما آخر نشاطاتكم؟
تحتفل الفرقة هذا العام بمرور 25 سنة على تأسيسها، وقد أسّسها الوالد بعد تقاعده عام 1990. ومقرّها، اليوم، في النّاصرة، وعدد العازفين حوالي عشرين، وهذا متعلّق بكلّ عرض وعرض، أو بالمعزوفات الّتي نقدّمها. وهي الفرقة المعترف بها من وزارة الثّقافة، علمًا أنّه تظهر في المجتمع العربيّ عدّة فرق على مستوى راقٍ، وتقدّم عروضها بالشّكل المطلوب. وهذا أمر مشجّع، حيث نرى الفرَق تنشأ هنا وهناك، وتتطوّر أعمالها في أطر مختلفة. ولكنّنا نحن نقدّم الموسيقى الشّرقيّة بآلات شرقيّة فقط.
هل كلّ العازفين من العرب أو الشّرقيّين؟
كان معنا عدد من العازفين من أبناء الجالية الرّوسيّة في البلاد، ولكن اليوم يعزف معنا عازفان اثنان منهم فقط، ويغنّي في الفرقة مطربون من اليهود الشّرقيّين، وخاصّة من أصل عراقيّ.
هل تقومون بوضع ألحانكم الخاصّة وعزفها في الفرقة؟
نعم؛ عندنا مجموعة من الألحان المميّزة الّتي وضعها العازفون أعضاء الفرقة، مثل: فرانسوا الخلّ (عازف التشيللو)، ويوسف أسعد مطر (عازف الكمان)، وكذلك عازف العود وسيم عودة، بالإضافة إلى معزوفاتي الخاصّة.
هل ظهر معكم في الفرقة مطربون أيضًا؟
من ناحية الغناء، أشركنا كبار المغنّين في البلاد، في عروض خاصّة أقمناها، مثل الفنّانة فيوليت سلامة، حيث ظهرت مع فرقتنا منذ عودتها إلى البلاد قبل عدّة سنوات، وكذلك المغنّي العراقي المعروف إبراهيم عزّت، واشترك معنا مصطفى دحلة بعدد من الحفلات ذات الطّابع السّوريّ والموشّحات، وإلياس عطا الله، الّذي يقدّم أغاني عبد الوهاب، وعلاء شرّش الّذي يقدّم أغاني وديع الصّافي، ومأمون زيود المختص بتقديم أغاني فريد الأطرش، ولبنى سلامة وهبة بطحيش. وكلّ هؤلاء ظهروا في عروض الفرقة، وكلّ منهم يحتلّ مكانة خاصّة في عالم الغناء في البلاد والخارج.
كيف تستوعبون العازفين أو الموسيقيّين الجدد؟
لدينا لجنة في الفرقة الّتي تجتمع وتنظر في طلب المتقدّم، وتقيّم أعماله وأداءَه الفنّي والموسيقيّ، ونحن نرحّب بكلّ من يجد في نفسه الكفاءَة للانضمام إلى الفرقة. وقد تقدّم إلينا عدد من الموسيقيّين الشّبان، واستطعنا أن نستوعب عددًا منهم، وأن ندمجهم في عروض الفرقة، خاصّةً الّذين تخرّجوا من المعاهد الأكاديميّة.
هل قدّمتم معزوفات موسيقيّة خاصّة بالفرقة؟
طبعًا، فقد قدّمنا مجموعة من المعزوفات الخاصّة بنا، ونحن بصدد إصدار أسطوانة للموسيقى والمعزوفات الّتي وضعناها خصّيصًا لنا، وهي من تأليف أعضاء الفرقة الّذين ذكرناهم، وستصدر هذه الأسطوانة الموسيقيّة قريبًا. ولديّ شخصيّـًا أسطوانة خاصّة باسم "حيفا" أصدرتها سابقًا وهي معزوفات لي تأليفًا وعزفًا.
ما هو برنامجكم للاحتفال بمرور 25 سنة على الفرقة؟
هذا الاحتفال متوقّع في نهاية السّنة الحاليّة 2015، وفيه سيتمّ تكريم الوالد بصفته مؤسّس الفرقة وراعيها الفنّي، ومن المتوقّع أن يتقاعد هذه السّنة، وسأتسلّم إدارة الفرقة بدلًا منه. ونطمح لانطلاقة جديدة من ناحية المعزوفات والانتشار والإنتاج، وطبعًا كلّ هذا رهن بالميزانيّات الّتي نحصل عليها.
أين قدّمتم عروضكم؟ وما أبرز الأماكن الّتي عرضتم فيها؟
عرضنا في معظم المدن في البلاد، وظهرنا في مِهرجانات عديدة، وكثيرًا ما عرضنا في رمات غان، لأنّ هناك جمهور من عشّاق الفنّ الطربيّ والأصيل من اليهود من أصول سوريّة وعراقيّة. فهؤلاء ينظّمون لنا العروض بشكل دوريّ تقريبًا. هذا عدا عن عروضنا في النّاصرة في المركَز الثّقافي، وغيرها من المناطق.
كانت لكم عروض خارج البلاد أيضًا..
صحيح، فقد عرضنا في مهرجانات عالميّة وكذلك قدّمنا عروضًا خاصّة في إيطاليا، فرنسا، إسبانيا، أمريكا وهناك عرضنا في "سنترال بارك" وواشنطن ولوس أنجلس. وفي الشّهر القادم سنقدّم عرضًا خاصّـًا في إسطنبول.
ماذا تقول للجمهور؟
أتمنّى أن يغلب الطّابع الإنسانيّ على جوانب حياتنا، في كافّة المجالات والمرافق، ولا أتحدّث عن النّواحي العلميّة كالرّياضيّات والموسيقى فقط، بل نطمح لتطوير الإنسان، وهذا أهمّ من أيّ مجال آخر. فلا نريد الفطاحل في الرّياضيّات وهم بدون أخلاق، أو موسيقيّين رائعين ولكن أخلاقهم متدنّية.. ونحن نرى العنف والتطرّف يأخذنا إلى أماكن رهيبة، نحن في الغنى عنها، بل هي مسيئة إلى الإنسان والإنسانيّة. ومن خلال الموسيقى والعلم والإبداع يتطوّر الإنسان نحو الأفضل. وهذه هي مصلحة الإنسانيّة والمجتمع وليس الأفراد فقط. وليس المهم الشّهرة والعالميّة هي الّتي تصنع الإنسان، ونريد أن يعود الإنسان إلى إنسانيّته وأخلاقه وكرامته.
نشكرك على هذا اللّقاء ونتمنّى لك التّوفيق والنّجاح..
شكرًا.
تصوير وائل عوض
[foldergallery folder="wp-content/uploads/articles/167530012220151110121012"]









