التعاون على الخير بقلم: الشيخ رشاد أبو الهيجاء

مراسل حيفا نت | 06/11/2026

التعاون على الخير
بقلم: الشيخ رشاد أبو الهيجاء

قال تعالى: «وتعاونوا على البر والتقوى». وهذا التعاون المعني في قوله تعالى يمكن ترجمته بكلمة «التكافل الاجتماعي»، وذلك لأن من أهم معاني الأخوة بين الناس ومن ميزاتها أن يصبح أبناء المجتمع كالجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له باقي الجسد بالحمى والسهر. ولا يتحقق ذلك إلا إذا تعاونوا على البر والتقوى، وتناصحوا وتناصروا، وحمل قويهم ضعيفهم، ونصح حكيمهم إخوانه بالخير، واتفقوا فيما بينهم على مساعدة الفقير والمسكين وتوفير احتياجاته، وكفالة اليتيم ومؤازرة الأرملة. وكل ذلك من مستلزمات الأخوة، قال تعالى: «والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله، أولئك سيرحمهم الله، إن الله عزيز حكيم». وتكون طاعة الله بعد عبادته بمؤازرة المحتاجين إليه، فإن لم يكن محتاجا إلى المال فقد يكون محتاجا إلى كلمة طيبة، أو ابتسامة، أو موقف مشرف تنصره فيه بعد أن خذله الناس.

ولا ريب أنك تجد في أكثر من موطن في كتاب الله يبين الحق جل جلاله أنه بعد عبادته يجب أن تكون عونا لإخوانك، كأساس لبناء مجتمع فاضل، قال تعالى: «واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وبالوالدين إحسانا، وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم، إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا». وتخيلوا معي هذه الآية، فقد رتبت الأولويات في الإحسان والمؤازرة بعد عبادة الله، وكان في مقدمتهم الوالدان، ثم الأقارب، ثم الضعفاء من أبناء المجتمع، ولم تغفل الجيران وابن السبيل. وكل ذلك ليؤكد حقيقة بأن المجتمع الذي يريده شرع الله هو مجتمع مثالي، لا أنانية فيه ولا بخل، بل عطاء ثم عطاء ثم عطاء، وفي ذلك يتحول المجتمع إلى مجتمع متحاب.

وهذا العطاء يعتبر من حسن الخلق الذي يحبه الله في عباده، وهو ليس صلاة فقط ولا زكاة ولا صياما، بل هذه العبادات وغيرها تكون الحافز إلى العطاء، قال تعالى: «ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب، ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين، وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب، وأقام الصلاة وآتى الزكاة، والموفون بعهدهم إذا عاهدوا، والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس، أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون». فمن مستلزمات التقوى مزج العبادات والأخلاق والمعاملات في خليط واحد تحت عنوان «عبادة الله»، وهذا المزيج هو عنوان المرحلة التي نمر بها، فإن تحقق عاش مجتمعنا حياة طيبة وراحة نفسية واطمئنانا، بخلاف ما يعيشه الناس في الواقع. ولهذا يأتي النداء للسعي في التكافل الاجتماعي ونبذ كل أنواع العداوة والقطيعة والاختلاف، والسعي إلى الله، ولسان حال كل منا: «وعجلت إليك رب لترضى».

ولو تمعنا فيما فرضه الله علينا لوجدنا أن الله جل في علاه فرض علينا الزكاة وجعلها حقا ثابتا للفقراء، قال تعالى: «وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم». ولا يكون ذلك على الخيار، فهو حق، فمن منعه يؤخذ منه، قال تعالى: «خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها»، حتى لا يبقى في المجتمع فقير مقهور.

ونجد السنة المطهرة طرحت قضية التكافل بين الناس بأوسع أبوابها، قال رسول الله: «أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالا فلأهله، ومن ترك دينا أو ضياعا فإلي وعلي». ومعنى ذلك أنه سيسدد دينه ويعالج مشكلاته من بعده. فهل فهم أصحاب المناصب العليا عظم المسؤولية الملقاة على عاتقهم؟ فإن قاموا على رعاية مصالح العباد خفف الله عليهم كربهم، قال رسول الله: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة».

بل حث الرسول على مناصرة الناس ومؤازرتهم بوعده أنهم إن فعلوا ذلك كانوا من جلسائه في الجنة، فقال: «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا»، وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما شيئا. بل اعتبر فعل ذلك كذروة سنام الإسلام، فقال: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله». وما أجمله من نداء رباني: «من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم». فالله الغني يعتبر عطاءك وتضحياتك من أجل إسعاد الناس كأنه قرض تقرضه له، وعطاء الله في المقابل يكون عطاء الكريم الذي لا تنفد خزائنه.

ومن أنواع التكافل إنظار المعسر؛ جاء في سنن ابن ماجه عن أنس بن مالك أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيت ليلة أسري بي على باب الجنة مكتوبا: الصدقة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر، فقلت: يا جبريل، ما بال القرض أفضل من الصدقة؟ قال: لأن السائل يسأل وعنده، والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة». ومن لم يستطع المساهمة في إنفاق المال فبإمكانه أن يحسن التصرف مع العباد، قال رسول الله: «إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، ولكن ليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق». ونفهم من ذلك أن التكافل بين الناس لا يكون في المال فقط، فقد يكون بكلمة طيبة وابتسامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *