اخترت هذا العنوان في ظل ما نراه من تحديات جسام يتعرض لها الشباب، فهو يقع أحيانا ضحية لهذه التحديات التي تريد مسخ هويته وانتمائه وعلو شأنه. ونحن نريد لهذا الشاب أن يكون عنوانا للفضيلة والعزة والكرامة ونشر العلم، والتطلع إلى أرقى المنازل الدنيوية والأخروية، حيث إن تطلعاته الدنيوية مع الإيمان الصادق بالله والعمل به تنزله ساحة رحمة الله وسكينته.
ولهذا الغرض لم يدع النبي صلى الله عليه وسلم فرصة إلا استغلها في توجيه الشباب، وكان منها تربيتهم على الثبات واليقين بأن كل شيء يدور في هذا الكون وكل شيء يلم به إنما هو بعلم الله وإرادته، لذا قال الرسول لأحد الشباب: «يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف». فهذا التوجيه النبوي كفيل بأن يصقل شخصية الشاب على أن قوته وسنده من الله، لذا لا يلتفت إلى التحديات، إنما يعلن الإخلاص لله في توجهه ثم يشمر عن ساعده في الجد والاجتهاد بعيدا عن الحرام والفتن، لسان حاله: «قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين». فمن أخلص في توجهه لله لن يفتن بفكر يمكنه مسخ شخصيته، بل يصقل شخصيته من خلال عبادته لله وإعلان الولاء لجلاله، متطلعا إلى أن يكون بعد رحلة الحياة في ظل عرش الرحمن، لقول رسول الله: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل معلق قلبه بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه».
وهذا الحديث حري بمن تمعن في معانيه أن يستخلص أهم الصفات المطلوبة من الشاب المثالي، فهي تبدأ بعبادة الله وعمارة بيوته، ثم التعفف عن الحرام، لا بأي حال من الإغراءات ولا تحت أي ضغط مادي أو نفسي، بل هو المبادر بالعطاء والتضحية، فيتصدق سرا حفاظا على كرامة الناس. ومن كانت هذه الأمور همه الوحيد فلن تتسرب إليه الأفكار الهدامة التي تأخذه إلى الهاوية، من أفكار شيطانية تدفعه إلى الفواحش أو تسوقه إلى التطرف. لهذا تجد الشاب السوي هو الشاب الذي يعتز بعفته وشرفه، صدوق اللسان، نقي الجنان، لا يفتري على أحد ولا يظلم أحدا، لأنه تربى على أن يكون الرسول له قدوة، ونعم القدوة: «لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة».
ومن كان الرسول قدوته يعلم أن الرسول عمل في رعاية الأغنام عند صغره، وعمل تاجرا عند كبره، وعلم البشرية كيفية التحرر من عبودية المادة والبشر إلى عبادة رب البشر، ولم يأت ذلك على بساط الريح ولا على طبق من ذهب، بل كان بالجد والاجتهاد حتى وصلتنا رسالته. لذا فالشاب الواعي السوي صاحب همة عالية، يقبل على العلم لعلمه بأن «العلم فريضة»، فيتقرب إلى الله بأحسن العلوم وأنفعها له ولمجتمعه، ثم يعمل بما تعلم فيتقن العمل: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه»، بعيدا عن القيل والقال وكثرة السؤال والغيبة والنميمة، ذلك لأن هناك شيئا أعظم وأرقى من كل ذلك، ألا وهو همته في التطلع إلى العلا.
لذا يكسب العلم الذي يؤهله لمهنة تغنيه عن السؤال وقلة المال، فيرفع رأسه لأنه لن يذل لا لصديق ولا لعدو، شعاره قول الله: «فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه». ولكن سعيه في طلب الرزق يكون على بينة ومحدد الهدف، يكسب الرزق الحلال ويطعم أهله الحلال، فيبارك الله فيه وفي أهله وعياله. ولا يسعى إلى كل ذلك إلا بذوق رفيع وحس مرهف، يألف الناس ويألفونه، ويحب الناس ويحبونه، فلا غش ولا خداع ولا دعوة إلى رذيلة، بل رحمة ومحبة وعطاء لا ينقطع، ممزوج بحسن خلق، فيصبح مؤهلا فيما بعد هذه الحياة لأن يكون رفيق النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة، لقول الرسول: «إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا».
وحتى يقطع الشاب كل هذا السبيل لا بد له من صديق يعينه ويحثه ويشاركه هذا السعي؛ فرسول الله لما أراد الهجرة اختار أفضل صاحب عنده، أبا بكر. وهذا الصاحب يجب أن يكون صالحا، فإذا نسي ذكّره، وإذا نظر إليه شد اهتمامه إلى الآخرة، لذا قال رسول الله: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل»، وقال: «مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير». والله تعالى قال: «واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا، ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا». فالصديق الصالح يسعى إلى منفعتك بالخير، أما جليس السوء فغايته الانحراف والضلال، ويريد جنودا له من حوله.
وهذا الصاحب يجب أن يكون واعيا ومدركا، بحيث لا يساوره الشك في كثرة الأفكار الهدامة التي يمكن أن تسوقه إلى الهاوية، حتى لا ينزلق ويسقط في ساحة الغلو والتشدد في غير محله، فالله يريد منا أن نكون وسطا، لا إفراط ولا تفريط، قال تعالى: «وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا». والرسول قال: «يا أيها الناس، إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين». وهذه دعوة للوسطية، فلا تساهل وانحلال، ولا تشدد وهلاك، بل سعي وجد في إسعاد الناس وقضاء حوائجهم، لقول الرسول: «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا».
هذا هو الشاب الذي نريد أن يكون بيننا.






