عقوق الوالدين
بقلم: الشيخ رشاد أبو الهيجاء
من الأمور التي حثّ عليها الإسلام وأولاها عناية كبيرة برّ الوالدين والإحسان إليهما، فبرّ الوالدين ليس مجرد واجب اجتماعي أو أخلاقي، بل هو عبادة عظيمة وطاعة لله تعالى، تقوم على حسن الخلق، ولين الكلام، والإحسان قولًا وعملًا. وفي المقابل، يُعدّ عقوق الوالدين من الذنوب العظيمة التي حذّر منها الشرع، لما فيه من إساءة إلى من كانا سببًا، بعد الله تعالى، في وجود الإنسان ورعايته وتربيته.
وفي الآونة الأخيرة، تصل إلينا شكاوى عديدة تتعلق بعقوق بعض الأبناء لوالديهم، الأمر الذي يدعونا إلى التذكير بمكانة الوالدين وحقهما العظيم. فكم من أبٍ جاع ليشبع أبناؤه، وسهر حتى يناموا، وتعب حتى يسعدوا! وكم من أمٍّ حملت وأنجبت وربّت، وأحاطت أبناءها بالحنان والرعاية، وبذلت من صحتها وراحتها ما لا يمكن أن تفيه الكلمات حقه. وقد استمر عطاؤهما منذ الطفولة وحتى الكبر، راجيين أن يريا أبناءهما في أفضل حال.
ولعظمة هذه المكانة، قرن الله تعالى الإحسان إلى الوالدين بعبادته، فقال في محكم تنزيله:
﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: 23].
تأملوا هذا التوجيه الرباني؛ فالله تعالى لا ينهى عن الإساءة الكبيرة فحسب، بل ينهى حتى عن كلمة «أفّ» التي تعبّر عن الضجر والتضجر، ويأمر الأبناء بالقول الكريم، ولا سيما عندما يتقدم الوالدان في العمر ويصبحان أكثر حاجة إلى الرعاية والصبر والاهتمام. فكيف بمن يرفع صوته عليهما، أو يهينهما، أو يهجرهما، أو يتعمد إدخال الحزن إلى قلبيهما؟
وقد أوصى الله تعالى بالوالدين، وخصّ الأم بالذكر لما تتحمله من مشقة الحمل والولادة والرضاعة، فقال سبحانه:
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف: 15].
إن عقوق الوالدين لا يقتصر على الاعتداء الجسدي أو السبّ والشتم، بل يشمل كل سلوك ينطوي على إهانتهما أو إيذائهما بغير حق، ومن ذلك هجرهما دون مسوّغ، والتشهير بهما، والغيبة عنهما، والتقصير المتعمد في رعايتهما، فضلًا عن إغضابهما بالسلوكيات المنحرفة، وتعاطي المسكرات والمخدرات، والاعتداء على الإخوة والأخوات بما يسبب لهما الألم والقلق.
ومن المؤسف أن نرى بعض الأبناء يدخلون في خلافات حادة مع والديهم، أو يبتعدون عنهما إرضاءً لأطراف أخرى، ومنها الزوجة أو الزوج، متناسين أن الحياة الزوجية لا ينبغي أن تكون سببًا لقطع صلة الأبناء بوالديهم أو الانتقاص من حقوقهما. فالزوجة لها حقوقها وكرامتها، وكذلك للوالدين حقهما ومكانتهما، والحكمة تقتضي العدل والإحسان وحسن التعامل مع الجميع، دون ظلم أو إساءة.
وقد حذّر الرسول صلى الله عليه وسلم من عقوق الوالدين، وجعله من أكبر الكبائر. فعن أبي بكرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين»، وكان متكئًا فجلس، فقال: «ألا وقول الزور، وشهادة الزور»، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. رواه البخاري ومسلم.
كما ورد التحذير من العقوق والظلم لما لهما من عواقب خطيرة في الدنيا والآخرة. ومن هنا، ينبغي للإنسان أن يحاسب نفسه قبل أن يندم، وأن يتذكر أن رضا الوالدين والإحسان إليهما من أعظم أبواب الخير، وأن دعاءهما قد يكون سببًا في سعادة الإنسان أو شقائه، فلا يعرّض نفسه لدعوة مظلوم، ولا سيما إذا كان هذا المظلوم أبًا أو أمًّا.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رضا الرب في رضا الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد». رواه الترمذي.
إن برّ الوالدين سبب من أسباب البركة في العمر والرزق، وصلة الرحم من الأعمال التي حثّ عليها الإسلام. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثره، فليصل رحمه». رواه البخاري ومسلم.
وقد يتذرع بعض الأبناء بأن الأب أو الأم هما من بدآ القطيعة أو أساءا في التعامل، وهنا نتذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها». رواه البخاري. فالأخلاق الكريمة لا تُقاس فقط بكيفية معاملة الآخرين لنا، بل بقدرتنا على التمسك بالقيم السامية، والإصلاح ما استطعنا، وتجنب رد الإساءة بالإساءة.
ومع ذلك، فإن برّ الوالدين لا يعني الموافقة على كل تصرف أو الامتثال لأمر يتعارض مع شرع الله، وإنما يعني الإحسان إليهما، ومخاطبتهما بأدب، ونصحهما بالحكمة والرفق، مع الحفاظ على الحقوق والحدود المشروعة. وليس من حق الابن أن يتعامل مع والده أو والدته بقسوة أو أن يتخذ من النصيحة ذريعة للإهانة والتعالي.
ولنا في نبي الله إبراهيم عليه السلام قدوة عظيمة في أدب الحوار مع والده، حتى عندما كان والده على غير الحق. فقد خاطبه بلطف وتكرار النداء الحاني: «يا أبتِ»، كما جاء في قوله تعالى:
﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ [مريم: 42-44].
وعندما هدده والده بالرجم والهجر، لم يردّ عليه بالإساءة، بل قال: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: 47]. فأيّ درس أبلغ من هذا في الصبر، وحسن الخطاب، والتمسك بالأدب حتى في أشد لحظات الخلاف؟
ومن النماذج التي تؤكد أن طاعة الوالدين لا تكون في معصية الله، قصة الصحابي سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، حين حاولت أمه أن تصرفه عن الإسلام، وأقسمت أن تمتنع عن الطعام والشراب حتى يرجع عن دينه. فنزل قول الله تعالى:
﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15].
وهذا توجيه واضح يجمع بين الثبات على الحق والإحسان إلى الوالدين؛ فلا طاعة لهما في معصية الله، ولكن لا يجوز أن يتحول الاختلاف معهما إلى قطيعة أو إساءة أو انتقاص من كرامتهما.
أبنائي وبناتي،
تذكروا أن الوالدين لن يبقيا إلى الأبد، وأن لحظات التقصير قد تتحول بعد رحيلهما إلى ندم لا ينفع معه الاعتذار. فلا تؤجلوا كلمة طيبة، ولا تبخلوا عليهما بزيارة أو اتصال أو سؤال عن أحوالهما، ولا تجعلوا مشاغل الحياة وخلافاتها تحرمكما من بركتهما ودعائهما. وإذا كان بينكم وبينهما خلاف، فبادروا إلى الإصلاح، واختاروا أطيب الكلام، واستعينوا بالحكمة والصبر.
إن برّ الوالدين ليس فضلًا يمنّ به الأبناء عليهما، بل هو واجب شرعي وأخلاقي، ووفاء لمن كانا سببًا في وجودنا ورعايتنا. فالسعيد من أدرك قيمة والديه في حياتهما، وأحسن إليهما قبل أن يصبحا ذكرى.
نسأل الله تعالى أن يعيننا على برّ والدينا أحياءً وأمواتًا، وأن يرزق أبناءنا وبناتنا حسن الخلق والوفاء، وأن يؤلف بين القلوب، ويصلح ذات البين، ويجنبنا العقوق والقطيعة، ويجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. آمين.
عقوق الوالدين بقلم: الشيخ رشاد أبو الهيجاء
مراسل حيفا نت | 23/10/2026









