9) أمور قد لا تعرفونها عن اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة ADHD د. نغم جهشان حدّاد- معالجة وظيفية

مراسل حيفا نت | 11/10/2026

غالبًا ما نربط اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة (ADHD) بصعوبة التركيز، كثرة الحركة أو الاندفاع. لكن هناك جوانب أخرى قد لا نربطها بالاضطراب أصلًا. ما علاقة ذلك بالطريقة التي يتعامل بها ابنكم مع الوقت؟ ولماذا قد يعرف تمامًا ما عليه فعله، ومع ذلك لا ينجح دائمًا في تنفيذه؟ وما علاقة النوم، الحركة، الطعام والعلاقات الاجتماعية بكل ذلك؟
أحيانًا، معلومة واحدة تغيّر الطريقة التي نفهم بها سلوكًا نراه كلّ يوم.

1. “بس لازم يمسك حاله!”
كأهل، قد نفكّر أن قدرة ابننا على ضبط نفسه هي بالأساس نتيجة للتربية: إذا وضعنا حدودًا واضحة وعلّمناه كيف يتصرّف، فسيتعلّم أن “يمسك حاله”. لكن القدرة على ضبط النفس ليست شيئًا تصنعه التربية وحدها.
فكّروا به وهو يجلس في الصف، في حصة أو في عرض مسرحي. قدرته على البقاء في مكانه وتنظيم حركته طوال هذا الوقت لا تعتمد فقط على أنكم علّمتموه منذ صغره أن يجلس بهدوء. فطريقة عمل الدماغ وتطوّره تساعده أيضًا على تنظيم حركته وسلوكه بما يتناسب مع الموقف.
وهذا لا يعني أن التربية والتدريب لا يهمّان، بالعكس. هما يساعدان على تطوير القدرة على ضبط النفس، لكنهما لا يخلقانها من الصفر.

2. “لكنّه يعرف!”
قد يعرف ابنكم ماذا عليه أن يفعل، ومع ذلك قد يصعب عليه استخدام ما يعرفه عندما يحتاج إليه، وتحويل هذه المعرفة إلى أداء فعلي. هذا الفارق لا يرتبط بالمعرفة وحدها، بل أيضًا باختلافات في عمل وتواصل شبكات دماغية تشارك في تنظيم الانتباه، الذاكرة وضبط السلوك.
قد يفهم، مثلًا، مسألة حسابية ويعرف ما المطلوب منه، لكنه أثناء الحل يفقد معلومة، ينسى خطوة، أو يجد صعوبة في الاحتفاظ بعدّة أجزاء من المسألة في ذهنه في الوقت نفسه، وفي النهاية قد لا ينجح في حلّ المسألة رغم أنه فهمها.
وهنا قد تساعد وسائل بسيطة تجعل ما يعرفه حاضرًا أمامه أثناء التنفيذ. في المهمّات، يمكن تقسيمها إلى خطوات قصيرة، وكتابتها أو عرضها بشكل بصري، بحيث لا يضطر إلى الاحتفاظ بكلّ الخطوات في ذهنه في الوقت نفسه.
وفي السلوك أيضًا، قد تكون المعرفة موجودة، لكن استخدامها قبل التصرّف أصعب. فقد يعرف أن تصرّفًا معيّنًا قد يسبّب مشكلة، ومع ذلك لا ينجح دائمًا في التوقّف والتفكير قبل أن يتصرّف. ويمكن بعد ذلك تفكيك ما حدث معه خطوةً خطوة: ماذا حدث؟ ماذا شعر؟ ماذا فعل؟ وماذا حدث بعد ذلك؟ وفي أيّ لحظة كان يمكن أن يتوقّف أو يختار ردًّا آخر؟

3. “تأخّرت… وأخّرتنا!”
قد يعرف ابنكم أن عليه الخروج من البيت بعد نصف ساعة، ومع ذلك يحين وقت الخروج وهو لم ينتهِ. يدخل للاستحمام “لعشر دقائق” فتصبح عشرين، أو ينشغل بخطوة واحدة من روتين الصباح ولا ينتبه إلى مرور الوقت.
تقدير الوقت، والانتباه إلى مروره، والانتقال من خطوة إلى أخرى في الوقت المناسب، قد يكون كلّ ذلك صعبًا بحدّ ذاته. وأحيانًا لا يبدأ بالاستعداد فعلًا إلا عندما يصبح الوقت ضيّقًا: “يلا، تأخّرنا!” وفجأة يصبح كل شيء عاجلًا: اللبس، الحقيبة، الحذاء، ويبدأ الجميع بالاستعجال والتوتّر.
هذا لا يعني أنه يحتاج إلى الضغط لكي يعمل. لكن عندما يصبح الوقت قريبًا وعاجلًا، قد يصبح البدء أسهل.
وتظهر الصعوبة أيضًا عندما يكون الهدف أبعد. فالامتحان في الأسبوع القادم قد يبدو بعيدًا بما يكفي لتأجيل البدء اليوم. ثم يصبح الامتحان غدًا، وما كان بعيدًا أصبح قريبًا وعاجلًا، ويصبح الاستعداد له أولوية لا يمكن تأجيلها. لكن الاعتماد على اللحظة الأخيرة له ثمن. فقد يستطيع أن يمرّ على كمية كبيرة من المادة في وقت قصير، لكنه لا يستطيع أن يختصر ما يحتاجه التعلّم من فهم، تدريب، تكرار وتثبيت للمعلومات.
لذلك، قرّبوا المستقبل إلى الحاضر. بدلًا من أن ننتظر حتى يصنع التأخير الإحساس بالعجلة، نقسّم الهدف إلى خطوات قريبة: ماذا سنفعل اليوم، وماذا غدًا؟

4. عمره 10 أو 12 سنة… لكن هل نضجت جميع قدراته بالدرجة نفسها؟
العمر الزمني لا يعكس دائمًا مستوى النضج في جميع القدرات التي نحتاج إليها لإدارة حياتنا اليومية. وتشير الأبحاث إلى أن بعض جوانب النموّ الدماغي والقدرات التنفيذية قد تتطوّر لدى من لديهم ADHD بوتيرة أبطأ مقارنةً بأبناء الجيل. وتشمل هذه القدرات، مثلًا، التخطيط، التنظيم، البدء بالمهمّات، الاحتفاظ بالمعلومات أثناء العمل وضبط النفس.
فقد يكون ابنكم في العاشرة أو حتى الثانية عشرة من عمره، ويتمتّع بقدرات تتناسب مع عمره، لكن بعض القدرات التي تساعده على إدارة نفسه والتصرّف باستقلالية قد تكون أقلّ نضجًا. لذلك قد يحتاج إلى دعم أكبر في إنجاز واجباته المدرسية بمفرده، أو إلى إشراف أكبر في مواقف تتطلّب التوقّف، تقدير الخطر واتخاذ قرار سريع وآمن، مثل عبور الشارع.
وفي بعض هذه القدرات تحديدًا، قد يكون أداؤه أقرب إلى أداء من هو أصغر منه سنًّا. وهذا لا يعني أن علينا معاملته كمن هو أصغر منه في كل شيء. فقد تكون قدراته مناسبة لعمره أو حتى متقدّمة في مجالات معيّنة، بينما يحتاج إلى دعم أكبر في مجالات أخرى.

5. حين يصبح الثمن اجتماعيًا
تكون الصعوبات في العلاقات مع أبناء الجيل أكثر شيوعًا، وقد يصل الأمر أحيانًا إلى الرفض الاجتماعي. ولا يعود ذلك إلى سبب واحد. فالاندفاع قد يظهر في مقاطعة الآخرين، أو صعوبة انتظار الدور، أو التصرّف بسرعة داخل اللعب أو الحديث. وقد يظهر أيضًا في ردّة الفعل العاطفية: صراخ، كلام جارح، أو ردّة فعل قوية عند حدوث خلاف.
قد يتجاوز الصديق أن ينسى ابنكم شيئًا، أو أن يقاطعه أثناء الحديث، أو أن يجد صعوبة في انتظار دوره. لكن من الأصعب عليه أن يتجاوز أن يُصرخ في وجهه، أو يسمع كلامًا جارحًا، أو يواجه ردّة فعل قوية كلما حدث خلاف.
فَهْمنا لسبب ردّة الفعل لا يلغي أثرها على الطرف الآخر.
وهنا يصبح دور الكبار مهمًّا، في البيت والمدرسة معًا. ليس فقط بعد أن يقع الخلاف، بل في مساعدة ابنكم على ملاحظة اللحظة التي تبدأ فيها ردّة فعله بالتصاعد، وأن يتوقّف، يسمّي ما يشعر به، ويفكّر بما يمكن أن يفعله بدل الصراخ أو الكلام الجارح.

6. ليلة سيئة لا تبقى في الليل
قلة النوم قد تجعل الصعوبات في اليوم التالي تبدو أشدّ. قد يصبح التركيز أصعب، وتزداد سرعة الغضب أو الإحباط، وقد يحتاج ابنكم إلى وقت أطول حتى يهدأ. لذلك، عندما يكون يومه أصعب من المعتاد، من المهم ألّا ننظر فقط إلى ما حدث خلال النهار، بل أن نسأل أيضًا: كيف نام الليلة الماضية؟
فالنوم غير الكافي قد يزيد من الصعوبات التي يتعامل معها أصلًا في الانتباه وتنظيم سلوكه وردود أفعاله.

7. الحركة ليست فقط “لتفريغ الطاقة”
نسمع كثيرًا: “خليه يطلع يركض شوي ويفرّغ طاقته.” والحركة فعلًا مهمّة، لكن ليس فقط لأنها “تُخرج الطاقة”. تشير بعض الدراسات إلى أن 15-30 دقيقة من النشاط البدني قد تسهم في تحسين بعض الوظائف التنفيذية بشكل مؤقّت، مثل القدرة على ضبط الاستجابة والتحكّم في الاندفاع. أي أننا لا نتحدّث فقط عن فوائد الرياضة المنتظمة على المدى الطويل.
فالحركة لا تشغّل الجسم فقط، بل الدماغ أيضًا. فكّروا مثلًا فيه وهو يلعب بالكرة: هو لا يركض فقط؛ عليه أن يتابع ما يحدث حوله، يتذكّر القواعد، يقرّر بسرعة، ويغيّر ما يفعله عندما يتغيّر الموقف.

8. “امنعوا عنه السكر… وبيهدأ!”، فعلًا؟
أمام هذه الصعوبات، من الطبيعي أن نبحث عن شيء بسيط يمكن تغييره. وربما سمعتم: “امنعوا عنه السكر”، “لا تعطوه شوكلاطة”، “جرّبوا أن تمنعوا الغلوتين”… فهل يمكن أن يكون الحل في الطعام؟

الحقيقة أقل بساطة: لا توجد حمية غذائية واحدة تُعتبر علاجًا لـ ADHD، وما نفع شخصًا آخر لا يعني بالضرورة أنه سينفع ابنكم.
وماذا عن السكر؟ وجدت دراسات ارتباطًا بين الاستهلاك المرتفع للسكريات المضافة والمشروبات المحلّاة وبين ADHD أو أعراض مرتبطة به. لكن وجود ارتباط لا يعني أن السكر يسبّب ADHD، ولا أن الامتناع عنه يعالجه.
وقد يلاحظ بعض الأهل تغيّرًا في سلوك ابنهم بعد أطعمة أو مكوّنات معيّنة. لذلك، إذا لاحظتم ارتباطًا واضحًا ومتكرّرًا، فمن الأفضل متابعة ذلك بشكل منظّم، والاستعانة بمختصّ قبل حذف أطعمة أو مجموعات غذائية كاملة من نظامه الغذائي.

9. ابنكم كبر… فماذا حدث للـ ADHD؟
الأعراض لا تتغيّر كلّها بالطريقة نفسها مع العمر. من كان يقوم من كرسيه باستمرار، يركض ويتحرّك كثيرًا، قد يصبح في سنّ المراهقة أكثر هدوءًا. فرط الحركة الظاهر يميل إلى الانخفاض مع التقدّم في العمر، بينما قد تستمر صعوبات أخرى، مثل تنظيم الانتباه، إدارة الوقت والبدء بالمهام.
جزء من هذا التغيّر يتزامن مع نمو ونضج الدماغ، كما أن طريقة ظهور الأعراض نفسها قد تتغيّر. فقد تصبح الحركة أقلّ وضوحًا من الخارج، بينما يظهر عدم الهدوء كشعور داخلي أو حاجة دائمة إلى الانشغال.
لذلك، أن يصبح ابنكم أكثر هدوءًا لا يعني بالضرورة أن الـ ADHD اختفى. أحيانًا تخفّ بعض الأعراض فعلًا، بينما تستمر أعراض أخرى أو تظهر بطريقة مختلفة.

في النهاية، أريد أن أتوقّف قليلًا عندكم أنتم، الأهل.
تربية ابن أو ابنة مع ADHD تحمل معها عالمًا كاملًا من التحدّيات. أنتم لا تتعاملون مع موقف واحد أو صعوبة واحدة، بل مع تفاصيل تتكرّر كل يوم: في الصباح، في المدرسة، في الواجبات، في العلاقات، في النوم، وفي أبسط أمور الحياة اليومية.
وهذا ليس سهلًا. فهو يتطلّب منكم الكثير من الصبر والطاقة، وأحيانًا، رغم كل ما تعرفونه وكل ما تحاولون فعله، قد تتعبون، تغضبون، أو تشعرون أنكم لم تعودوا قادرين على الاحتمال. وربما وجد بعضكم نفسه أيضًا في بعض ما قرأه هنا. وهذا أيضًا جزء من الواقع الذي يستحق أن نتحدّث عنه.
ووسط كل هذه التحدّيات، من المهم أن نتذكّر أن ابننا أكبر من تشخيصه. لديه شخصيته، اهتماماته، نقاط قوّته، والأشياء التي يحبّها وينجح فيها. فنحن نحاول أن نفهم الـ ADHD، لا أن نرى ابننا كلّه من خلاله.
لذلك، لا تحملوا كل هذا وحدكم. اطلبوا الإرشاد، العلاج أو أي مساعدة يمكن أن تكون لكم ولابنكم مرساة ودعمًا في الطريق. وأحيانًا يحتاج الأهل أنفسهم إلى مكان يستطيعون فيه أن يتحدّثوا، يفهموا ما يمرّون به، ويستعيدوا بعضًا من طاقتهم.
فدعم ابنكم يبدأ بفهمه، لكنه يحتاج أيضًا إلى أهل يجدون من يدعمهم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *