سلسلة الدراسات الدينية – مسجد الجرينة – النصر الكبير في حيفا
استهل فضيلة الشيخ رشاد أبو الهيجاء الدرس بالحديث عن بعض وجوه الإعجاز الإلهي في القرآن الكريم، ولا سيما في السور المكية التي نزلت قبل الهجرة، رابطًا بين موضوعات يوم القيامة ومصير الأبرار والفجار، ومشيرًا إلى أن القرآن الكريم يحمل في كلماته وآياته معاني ودلالات واسعة، تتجلى فيها دقة التعبير القرآني وعظمة البيان الإلهي.
وأوضح فضيلته أن التأمل في الكلمة القرآنية لا ينبغي أن يكون نظرة سطحية، بل يحتاج إلى تدبر وفهم للسياق والمعاني والدلالات التي تحملها الآية، فقد تأتي الكلمة الواحدة محمّلة بأبعاد إيمانية ولغوية وكونية عميقة.
تفسير سورة الانفطار
طلب فضيلة الشيخ رشاد أبو الهيجاء من طلاب العلم تناول سورة الانفطار بالتفسير والتدبر، والنظر فيما تحمله آياتها من أبعاد إيمانية وعلمية وروحية وشمولية.
وقد قام طالبان من طلاب العلم، هيثم الباش وعادل حماد أبو لؤي، بتفسير سورة الانفطار، وتناولا عددًا من الآيات والمعاني التي تبرز دقة البناء القرآني وعظمة الخلق.
مشاهد الانقلاب الكوني يوم القيامة
توقف الطالب عادل حماد أبو لؤي عند بداية السورة، حيث يقول الله تعالى:
﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾
وتناول ما تصفه هذه الآيات من تغيرات كونية هائلة تقع يوم القيامة؛ فالسماء تنفطر، والكواكب تنتثر، والبحار تُفجَّر، والقبور تُبعثر، في مشهد عظيم يبيّن هول ذلك اليوم وانقلاب النظام الكوني الذي نعرفه.
وأشار إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾، مبينًا أن لفظ «فُجِّرَتْ» يحمل معنى تفجير البحار وفتح بعضها على بعض واضطرابها وخروجها عن حالتها المعهودة.
ومن المهم هنا عدم الجزم بتفسير علمي محدد لم يذكره القرآن. فقول الله تعالى ﴿فُجِّرَتْ﴾ يصف حدثًا كونيًا عظيمًا في يوم القيامة، أما كيفية حدوثه بالتحديد فالله تعالى أعلم بها. وقد ذكر بعض المفسرين معاني متعددة للآية، منها اختلاط البحار وانفتاح بعضها على بعض وزوال الحواجز بينها.
«الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ»
وتوقف الطالب عادل حماد عند قول الله تعالى:
﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾
مشيرًا إلى دقة خلق الإنسان وتوازن أعضائه وتناسقها، وكيف أن الإنسان خلق في صورة متكاملة تمكنه من الحركة والأكل والإمساك والنظر والقيام بمختلف وظائفه.
فالآية تلفت النظر إلى نعمة الخلق والتسوية والتعديل، وإلى أن الإنسان لم يوجد بصورة عشوائية، بل خلقه الله تعالى وسوّاه وعدله وركّب أعضاءه في الصورة التي شاءها له.
«فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ»
كما أشار إلى اختلاف صور البشر وملامحهم، مع اشتراكهم في أصل الخِلقة، فمع العدد الهائل من البشر نجد اختلافًا كبيرًا في الوجوه والملامح والأصوات والبصمات والهيئات.
وهذا من الأمور التي تدعو الإنسان إلى التأمل في عظمة الخالق سبحانه وتعالى، قال تعالى:
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾.
كما تناول الحديث تنوع المخلوقات والحيوانات واختلاف أشكالها ووظائف أعضائها، وما في ذلك من دلائل على دقة الخلق وإحكامه.
دقة خلق أصابع الإنسان
وأشار فضيلة الشيخ رشاد أبو الهيجاء إلى جانب آخر من دقة الخلق، وهو كيفية خلق أصابع اليدين وتناسقها مع الكف، بما يمكّن الإنسان من الإمساك بالأشياء وتناول الطعام والقيام بأعمال دقيقة ومتنوعة.
فلو كانت اليد والأصابع على هيئة مختلفة، لما استطاع الإنسان أن يؤدي كثيرًا من الوظائف التي يمارسها بصورة طبيعية يوميًا.
وهذا يدعو إلى التأمل في قوله تعالى:
﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾.
الانقلابات الكونية ومشهد القيامة
واصل الطالب هيثم الباش الحديث عن مشاهد يوم القيامة والانقلابات الكونية التي تناولتها سورة الانفطار، موضحًا كيف تنقل السورة الإنسان من مشاهد الكون المضطرب إلى مشهد البعث والحساب، ثم إلى بيان مصير الأبرار والفجار.
ومن أبرز ما يلفت النظر في السورة أنها لا تكتفي بوصف أحداث يوم القيامة، بل تربط هذه الأحداث بالإنسان نفسه ومسؤوليته عن أعماله، قال تعالى:
﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾.
وهنا ينتقل الخطاب من مشاهد الكون إلى مسؤولية الإنسان عن أفعاله، ليبقى الإيمان بالآخرة مرتبطًا بالسلوك والعمل.
حوار وتفاعل بين طلاب العلم
تميز الدرس بحالة من الديناميكية والنقاش بين الطلاب، حيث لم يكن التفسير مجرد عرض للمعلومات، بل كان مجالًا للتأمل والتحليل وطرح الأفكار حول دقة الكلمة القرآنية وعظمة الخلق.
وقد أتاح ذلك للطلاب فرصة للنظر في الآيات من جوانب متعددة، وربط المعنى القرآني بحياة الإنسان وما يحيط به من آيات ودلائل على قدرة الله تعالى.
وفي ختام الدرس، ظهر بوضوح أن تدبر القرآن يفتح أمام طالب العلم أبوابًا واسعة من التفكر في الخلق، والكون، والإنسان، والآخرة، مع ضرورة الالتزام بدقة التفسير وعدم تحميل الآيات ما لا تحتمله من تفسيرات أو نظريات غير ثابتة.
واجبات الدرس القادم
قراءة سورة المطففين من الآية ١ إلى الآية ١٨.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا فهم كتابه وتدبر آياته، وأن يجعل العلم النافع سببًا في زيادة الإيمان والعمل الصالح.
ملاحظة صغيرة: صححتُ عبارة «تحول الماء إلى نار بسبب اختلاط الهيدروجين» ولم أضعها كحقيقة علمية؛ لأن هذا الربط لا يصح الجزم به كتفسير للآية. الأفضل في الملخص الديني أن نبقي التركيز على ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ وما ذكره أهل التفسير، مع بيان عظمة المشهد الكوني يوم القيامة.
ملخص الدرس الرابع عشر مع فضيلة الشيخ رشاد أبو الهيجاء
مراسل حيفا نت | 07/10/2026







