لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله بقلم: الشيخ رشاد أبو الهيجاء

مراسل حيفا نت | 02/10/2026

بقلم: الشيخ رشاد أبو الهيجاء

يتذمر الناس من تفشّي الظلم بين العباد إلى حدّ أن بعضهم اسودّت الحياة في عينيه، فلم يعد يرى فيها خيرًا، مما يجعلهم وجلين خائفين على أنفسهم وعلى مصير الأجيال القادمة. ومثل هذا الحال يجب أن يزول وألا يترك أثرًا في حياة الناس.

لكننا نعزّي أنفسنا بقوة الله وقدرته على الخلق أجمعين، الذي أكد قولًا فصلًا:

﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾.

ومهما بلغت قوة الظالم، ومهما كان من يمكر بالسوء فردًا أو جماعة أو حتى دولة، فإن مكر السوء يتنافى مع العدل الذي أراده الله لعباده.

وقد نُقل عن بعض العلماء قولهم: «إن الله لينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ويهزم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة»، في إشارة إلى أن أساس استقامة الحياة بين الناس هو العدل، وأن الظلم لا يمكن أن يكون أساسًا دائمًا للحياة.

لذلك، لا ينبغي للظالم أن يغتر بقوته وجبروته، فالأيام دول، يوم لك ويوم عليك.

أما المؤمن، فإنه يرى في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ بشرى تمنحه الأمل، وتقول له إن الله قادر على تفريج همه وإزالة كربته، وإنصافه ممن ظلمه، لأنه يؤمن بأن الله سميع عليم، وأن الظلم مهما طال زمنه فلن يدوم.

وقد وضّح الرسول الكريم ﷺ هذا المعنى بقوله:

«إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته».

فالله لا تخفى عليه خافية، وهو القائل:

﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾.

وإذا أيقن الإنسان بقدرة الله المطلقة، فلا ينبغي للظالم أن يظن أن الله عاجز عن الأخذ منه، أو أنه يستطيع الإفلات من الحساب. قال تعالى:

﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾.

وقال سبحانه:

﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾.

ومن رحمة الله بعباده، ورغبته في أن يسود العدل وينحسر الظلم، أنه بعث الأنبياء والمرسلين لينقلوا الناس من ظلمات الجاهلية إلى نور الهداية، وجعل ملائكة يكتبون أعمال الإنسان، صغيرة كانت أم كبيرة، حتى يدرك الظالم أن كل ما يفعله محفوظ عليه.

قال تعالى:

﴿إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾.

وقال سبحانه:

﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ۝ كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾.

وما تكتبه الملائكة من أعمال يحاسب عليه الإنسان، بل يحاسب كذلك على آثار أعماله التي قد تستمر بعد موته، قال تعالى:

﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ﴾.

فإذا كنت تتألم من ظلم وقع عليك، فلا تظنن أن الظالم سيعيش سعيدًا إلى الأبد، فقد يكون هو نفسه يعاني، وربما أكثر مما تتصور. قال تعالى:

﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.

ومعنى ذلك: لا تضعف أمام الظلمة، ولا تسمح للظلم أن يهزمك من الداخل، بل اصبر وثبت، وارجُ رحمة الله وعدله؛ فأنت ترجو من الله ما لا يرجوه الظالم.

وقد جاءت آيات كثيرة تبيّن عاقبة الظالمين، قال تعالى:

﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

وقال سبحانه:

﴿وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا﴾.

وقال أيضًا:

﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾.

ومما يجب العمل عليه رفع الظلم عن العباد، ويكون ذلك بالنصح للظالمين، ودعوتهم إلى الكف عن أذى الناس، وإذا احتاج الأمر إلى مقاطعتهم والابتعاد عن الظلم وأهله، حتى لا يقف الإنسان يوم القيامة موقفًا مخزيًا عندما تُفتح صفحات أعماله، فيجد أنها لم تغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصتها.

قال تعالى:

﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾.

ولا يظن ظان أن الله يغفل عما يعمل الظالمون، فقد قال سبحانه:

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾.

وما من ظالم إلا وله يوم، فلينظر الإنسان إلى مصير الأمم والشعوب التي ظلمت وطغت، قال تعالى:

﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.

ومن هؤلاء قوم عاد، تلك القبيلة التي اشتهرت بالقوة والعتاد، وبنوا إرم ذات العماد، التي قال الله عنها:

﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ۝ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾.

لكنهم طغوا واغتروا بقوتهم، وقالوا:

﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾.

وفي هذا القول غرور وتجبر واستخفاف بقدرة الله وبالضعفاء، فجاءت عاقبتهم بعد أن طغوا واستكبروا.

قال تعالى:

﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا ۚ بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ ۖ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَىٰ إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾.

وقال سبحانه في سورة الحاقة:

﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ۝ فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ﴾.

حتى يدرك المظلوم أن حقه لن يذهب هدرًا، وأن عليه الصبر والثبات، وألا ينجرّ وراء الظالمين أو يتحول ظلمه إلى رغبة في الانتقام الأعمى.

وقد وضع ربنا سبحانه قاعدة عظيمة:

﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾.

وكان الرسول الكريم ﷺ يحذر من الظلم وعواقبه، فقال:

«اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة».

وقال ﷺ:

«واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب».

إن رسالة القرآن واضحة: لا يغترّ الظالم بقوته، ولا ييأس المظلوم من رحمة الله وعدله. فقد يتأخر الأخذ، لكنه لا يعني الغفلة، وقد تطول المحنة، لكنها لا تعني أن الحق قد ضاع.

فلنحذر من الظلم، ولنقف مع المظلوم، ولننصح الظالم، ولنجعل العدل أساس تعاملنا مع الناس، لأن المكر السيئ لا يعود في نهاية المطاف إلا على صاحبه.

﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *