كسر أفق التّوقّع بقلم رشدي الماضي

مراسل حيفا نت | 22/09/2026

تعتمد النّصوص السّرديّة، أحياناً، عنصر المفاجأة البنيويةِ، وليس عنصر الإدهاش العابر، خاصة حين يسعى المؤلّف في بناء نصّهِ إلى تجاوز ما يُعْرف بالتّأثير اللّحظي، وهذا ما يجعله يتَّبع أُسلوب زعزعة المسارات القرائيّة المألوفة لدى المتلقّي قارئاً، بهدف توجيهه إلى تجربة فنيّة بديلة، تؤدّي إلى كسر أفق توقّعه منذ العتبة الأولى للنَّص…
لذلك نراهُ وهو في هذا الصّدد، لا يلتزم في بنية عمله الأَدبيّ، ببدايات تمهيديّة تقليديّة، ولا يقوم
بتقديم الشّخصيات أو الإطار الزّماني والمكاني بصورة تدريجيّة تقليديّة، فيجد المُتلقي نفسه عندها، أنَّه أمام تفاصيل متناثرة وأمام علامات وإشارات لغويّة في آن، وهذا ناهيك عن الإنتقالات المفاجئة في مستوى الخطاب، مِمَّا يؤدي بالقارئ إلى عدم قيامه بتتبّع مسار النّصّ الخطيّ بل تناوله من النّاحية التركيبيّة والتأويليّة…
وهنا، لا بدّ أن نضيف، أنَّ مع تواصل كسر أفق التّوقّع داخل مسار السَّرد يتخذ النَّص مسارات مفتوحة تتبدّل زوايا الرَّؤى إليه، كما تتجاوز فيه أنماط خطابيّة متعددة، فيتمكّن صاحب النّصّ عندها، من تفكيك مسار السَّرد الخطي، ومن ثمَّ إعادة تنظيم عناصرهِ ضمن بُنية سرديّة تتكئ على المرونة الإيجابيّة، والمعروف: قارئاتي/قرائي، أنَّ أسلوب كسر التّوقّع، يدفع المتلقي عادةً، إلى إعادة أدوات قراءَتهِ للنّصّ، ودفع المؤلّف في آن إلى إِحداث التّغيير في طرق تعامله مع نصِّهِ، خاصة ما يتعلّق بالنّهايات، حيث يتخلَّى عن أسلوب الخاتمة المغلقة، ويتّجه نحو اتّباع أسلوب النّهايات المفتوحة، أو بمعنى ما يُعرف بالمفارقة غير المتوقّعة التي لا تُنْهي النّصّ بقدر ما تفتح مجاله على احتمالات جديدة ومتنوّعة، مِمَّا يجعل النّهاية أداة لانتاج دلاليّ واسع، وليس قفلاً يغلق انسياب النّصّ السَّردي…
وتؤكّد الدراسات التي تناولت موضوع كسر أُفق التَّوقّع، حقيقة بروزه في التيامات التي يطرحها، وذلك من خلال الصّور والمشاهد والمواقف التي يتضمَّنها سريانِهِ السَّرديّ، وهذا ما يشحن النّصّ بطاقة ايحائيّة عالية، تجعل دلالاته غير قابلة للإختزال في قراءَة واحدة، نتيجة انفتاحها على عدّةِ تأويلات…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *