هل إنهاء وقت الشاشة مهمة مستحيلة؟
د. نغم جهشان-حداد
معالجة وظيفية
كانت الشاشات موجودة دائمًا، لكنها أصبحت في السنوات الأخيرة جزءًا لا يتجزأ من حياة أبنائنا، وربما من حياتنا نحن أيضًا. ففي الفترات التي يقضي فيها الأبناء وقتًا أطول في البيت، وخاصة خلال العطلة الصيفية أو في ظروف استثنائية تفرض البقاء في المنزل، تصبح الشاشات جزءًا من الروتين اليومي، وقد يتحول ما بدأ كحل مؤقت إلى عادة يصعب تغييرها.
وليس من المستغرب أن تصبح الشاشات أحيانًا الخيار الأسهل، خاصة في أيام التعب والانشغال، وهذا أمر مفهوم تمامًا.
لماذا يكون إطفاء الشاشة صعبًا إلى هذا الحد؟
يعرف كثير من الأهالي هذا المشهد جيدًا: ينتهي وقت الشاشة، وفجأة يبدأ البكاء، أو الغضب، أو المفاوضات التي لا تنتهي. وقد يعتقد البعض أن أبناءهم يعاندون أو لا يستجيبون عندما يُطلب منهم إنهاء وقت الشاشة، بينما في الحقيقة يحدث داخل الدماغ شيء مختلف تمامًا.
أثناء استخدام الألعاب الإلكترونية أو مشاهدة المقاطع السريعة، يفرز الدماغ ناقلًا عصبيًا يُسمى الدوبامين (Dopamine)، وهو مادة طبيعية ترتبط بالشعور بالمتعة، والدافعية، والتعلّم. لذلك، يرغب الأبناء في الاستمرار، ويصبح التوقف أكثر صعوبة.
المشكلة ليست في الدوبامين نفسه، فهو ناقل عصبي طبيعي يحتاجه الدماغ. إنما تكمن الصعوبة في الانتقال المفاجئ من عالم مليء بالمثيرات والتحفيز المستمر إلى نشاط أكثر هدوءًا في الحياة اليومية.
لهذا السبب، قد يبكي الأبناء، أو يغضبون، أو يرفضون إنهاء وقت الشاشة، أو يدخلون في مفاوضات لا تنتهي. وليس لأنهم يحاولون تحدي والديهم، بل لأن أدمغتهم تحتاج إلى وقت للانتقال من هذا المستوى المرتفع من التحفيز إلى نشاط آخر أكثر هدوءًا.
وعندما نفهم ما يحدث داخل دماغ أبنائنا، يصبح من الأسهل أن نغيّر طريقتنا في التعامل معهم. وهنا يأتي السؤال الأهم: كيف نساعد أبناءنا على إنهاء وقت الشاشة بهدوء؟
رافقوا الانتقال
إذا كانت الصعوبة تكمن في الانتقال المفاجئ، فمن الطبيعي أن يحتاج أبناؤنا إلى وقت ليستعدوا لإنهاء وقت الشاشة. لذلك، من الأفضل أن يكون هذا جزءًا من الاتفاق المسبق مع الطفل. يمكن أن نقول: “بقي عشر دقائق”، ثم نذكّره مرة أخرى: “بقي خمس دقائق، وبعد قليل سأجلس بجانبك حتى ننهي وقت الشاشة معًا.”
ويمكن استخدام منبّه بسيط في هاتف أحد الوالدين ليكون تذكيرًا للطرفين بقرب انتهاء الوقت، وليس للطفل فقط. وعندما يحين الوقت، يجلس أحد الوالدين بجانب الطفل من دون استخدام هاتفه المحمول، ويتأكد من أنه سمع المنبّه وانتبه إليه، وقد يحتاج الأمر إلى لمسة لطيفة على الكتف أو إلى التواصل البصري، خاصة عندما يكون تركيزه منصبًا بالكامل على الشاشة.
إن وجودكم بجانب أبنائكم في هذه اللحظة لا يساعدهم فقط على إنهاء وقت الشاشة بهدوء، بل يمنحكم أيضًا فرصة لمشاركة ما يشاهدونه أو يلعبونه، والتعرّف إلى اهتماماتهم، قبل الانتقال إلى النشاط التالي. وأحيانًا، تكون هذه الدقائق القليلة أهم من وقت الشاشة نفسه.
الحركة أولًا
من أكثر الأخطاء شيوعًا أن نطلب من أبنائنا، مباشرة بعد إطفاء الشاشة، الانتقال إلى القراءة، أو أداء الواجبات، أو أي نشاط يتطلب الجلوس والتركيز. فالدماغ لا ينتقل من عالم مليء بالمثيرات والتحفيز المستمر إلى الهدوء بضغطة زر، بل يحتاج إلى مرحلة انتقالية قصيرة تساعده على الاستعداد للنشاط التالي. ولهذا السبب، تكون الحركة أفضل نقطة بداية بعد إطفاء الشاشة.
ابدؤوا معًا
لا يكفي أن نطفئ الشاشة، بل من المهم أن نعرف مسبقًا ما النشاط الذي سيأتي بعدها. يمكن أن نقول: “تعال نطوي الملابس معًا”، أو “هيا نرتب الألعاب معًا”، أو “تعال نحضّر السندويشات معًا”. فهذه اللحظات لا تساعد الطفل على الانتقال من الشاشة فحسب، بل تمنحه أيضًا شعورًا بالمشاركة والقرب. وفي المقابل، هناك أطفال يتجاوبون أكثر عندما نحول المهمة إلى لعبة بسيطة، مثل: “لنرَ من يطوي المناشف أولًا”، أو “من يجد الجوارب المتشابهة أولًا؟”، أو “هل نستطيع جمع الألعاب قبل أن تنتهي الأغنية؟”.
وفي الأيام الأولى، من المهم أن نقوم بهذه الأنشطة مع أبنائنا، لا أن نطلب منهم القيام بها وحدهم. فالمشاركة تجعل الانتقال أسهل وأكثر متعة، ومع مرور الوقت، يتحول هذا الروتين إلى عادة، ويصبح الطفل أكثر استعدادًا للقيام به باستقلالية. ولا يشترط أن تستغرق هذه الأنشطة وقتًا طويلًا، فحتى بضع دقائق من الحركة قد تساعد الدماغ على الانتقال بهدوء إلى بقية أنشطة اليوم. ليس المهم نوع النشاط، بل أن يساعد الطفل على الانتقال بهدوء من الشاشة إلى الحياة اليومية، وأن يشعر أن أحدًا يشاركه هذه اللحظة.
محطات بلا شاشات
ليس المطلوب أن نمنع الشاشات طوال اليوم، بل أن نختار محطات ثابتة تبقى خالية منها. فوجود أوقات معروفة ومتكررة من دون شاشات يساعد الأبناء على معرفة ما هو متوقع، ويمنحهم شعورًا بالأمان، ويقلل من الجدل والمفاوضات. فليس عدد القواعد هو ما يصنع الفرق، بل ثباتها.
وقت الطعام
ليس فقط لتناول الطعام، بل فرصة للحديث، والاستماع إلى بعضنا، ومشاركة أحداث اليوم بعيدًا عن المقاطعات التي تفرضها الشاشات.
وعند الخروج إلى المطعم، من المفيد أن نحضر معنا بدائل بسيطة، مثل أوراق للرسم، أو لعبة بطاقات صغيرة، أو قطع “ليغو” صغيرة، أو أي لعبة هادئة تناسب عمر الطفل. وبهذه الطريقة، تصبح الشاشة جزءًا من الوقت عند الحاجة، وليست الوسيلة الوحيدة لتمضيته. كما تمنح أبناءنا فرصة لتعلّم الانتظار، والتواصل، والاستمتاع بالوقت مع الأسرة، من دون الحاجة إلى شاشة في كل دقيقة.
قبل النوم
يُفضَّل إبعاد الشاشات قبل النوم، لأنها تزيد من التحفيز، مما يجعل الاسترخاء والنوم أكثر صعوبة.
أثناء الدراسة أو أداء الواجبات
يُفضَّل وضع الهاتف أو الجهاز اللوحي في مكان ثابت خارج مجال الرؤية، مثل درج أو صندوق مخصص، حتى لا يتحول وجوده وحده إلى مصدر لتشتيت الانتباه. ويمكن أن يلتزم جميع أفراد الأسرة بذلك أيضًا، فالأبناء يركزون أكثر عندما يرون أن والديهم يطبقون ما يطلبونه منهم.
أثناء الرحلات
في الرحلات القصيرة، يمكن استثمار الوقت في الحديث، أو ألعاب الكلمات، أو الغناء، أو الاستماع إلى الموسيقى معًا. أما في الرحلات الطويلة، فمن الأفضل الاتفاق مسبقًا على الأوقات التي يمكن فيها استخدام الشاشات، بدلًا من أن تكون متاحة طوال الطريق.
ولا توجد قاعدة واحدة تناسب جميع الأسر. فما ينجح مع طفل قد لا ينجح مع طفل آخر، وحتى داخل الأسرة الواحدة قد نحتاج إلى تعديل بعض القواعد مع مرور الوقت. المهم أن نختار ما يناسب أبناءنا، وأن نلتزم به، لأن ثباتها هو ما يصنع الفرق.
كونوا قدوة
ورغم كل ما سبق، يبقى هناك أمر واحد لا يمكن لأي قاعدة أن تعوّضه. فالأبناء يتعلمون مما يرونه أكثر مما يسمعونه. وعندما نضع هواتفنا جانبًا، ونخصص وقتًا حقيقيًا لأبنائنا، فإننا لا نطلب منهم فقط أن يغيّروا عاداتهم، بل نغيّر نحن أيضًا عاداتنا داخل الأسرة.
ولا بأس أن يبدأ التغيير بخطوة صغيرة، فالعادات الجديدة لا تُبنى في يوم واحد. نبدأ بعادة واحدة نستطيع الاستمرار فيها، ثم نضيف إليها عادة أخرى مع الوقت. ولن ننجح دائمًا، وهذا طبيعي. لسنا بحاجة إلى أن نكون أهلًا مثاليين، بل أهلًا يحاولون، ويتعلمون، ويبدؤون من جديد في اليوم التالي.
فنحن لا نربي أبناءنا في عالم بلا شاشات، بل في عالم أصبحت فيه الشاشات جزءًا من حياتنا اليومية. لذلك، لا نحتاج إلى إلغائها، بل إلى أن تبقى جزءًا من حياتنا، لا محورها.
وقد لا يتذكر أبناؤنا عدد الدقائق التي قضوها أمام الشاشة، لكنهم سيتذكرون أننا جلسنا معهم، وتحدثنا معهم، وضحكنا معهم، ومشينا معهم، وشاركناهم تفاصيل يومهم. ففي النهاية، لا تصنع الشاشات ذكريات الطفولة، بل اللحظات التي نعيشها معًا.
قبل أن ننهي:
توصي الجهات الصحية العالمية، ومنها منظمة الصحة العالمية والأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال، بتجنب تعريض الأطفال دون سن السنتين للشاشات، إلا في حالات التواصل المرئي مع أفراد العائلة (مثل مكالمات الفيديو). أما بعد هذا العمر، فيبقى دور الأهل في تنظيم استخدام الشاشات ومرافقة الأطفال هو العامل الأهم.




