الدرس الخامس
أشار فضيلة الشيخ رشاد أبو الهيجاء، إمام مسجد الجرينة، في درس الدراسات الدينية في مسجد الجرينة -النصر الكبير- في حيفا إلى جملة من القضايا الأساسية المتعلقة بدراسة القرآن الكريم وعلوم الدين، مؤكدًا أهمية المحافظة على الموروث العلمي الذي تناقله العلماء جيلاً بعد جيل، مع إمكان تجديد طريقة طرحه ووسائل عرضه بما يناسب الأجيال المعاصرة.
وبيّن فضيلته أن التجديد الحقيقي لا يعني إعادة بناء النص القرآني وفق قراءات معاصرة منفصلة عن أصول العلم، وإنما يكون في طريقة تقديم المعاني وشرحها واستخدام الوسائل والأدوات الحديثة، مع المحافظة على قواعد اللغة والتفسير وأسباب النزول وما نقل عن علماء الأمة.
وأكد أن العلماء المتقدمين كانوا أقرب إلى معرفة البيئة التي نزل فيها القرآن، من حيث اللغة واللهجات وأسباب النزول والسياق التاريخي، ولذلك لا يصح تجاوز هذا التراث التفسيري وإهماله عند محاولة فهم النص القرآني.
والقرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين، قال تعالى:
﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: 2]
ومن هنا تأتي أهمية علوم اللغة والقراءات وأسباب النزول والتفسير المأثور في فهم القرآن.
بين ثبات النص وتجدد العرض
وأشار فضيلته إلى أن هناك فرقًا بين ثبات النص القرآني وأصول فهمه وبين تجدد أساليب شرحه.
فالقرآن ثابت محفوظ، وأصول التفسير التي أقامها العلماء ليست مادة قابلة لإعادة البناء كلما ظهرت نظرية جديدة، ولكن يمكن للعلماء والدعاة أن يقدموا المعاني نفسها بلغة أقرب إلى الناس، وأن يستخدموا العلوم الحديثة والوسائل التعليمية الجديدة في تقريبها.
من آيات الله: التي تبين الاعجاز الالهي ﴿بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾
ومن الأمثلة التي توقف عندها فضيلته قوله تعالى:
﴿بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: 4]
وقد أشار إلى ما فيها من دقة في ذكر البنان، وهو أطراف الأصابع، وما يرتبط بها من خصوصية الإنسان وبصماته.
ومن المهم هنا أن نقول إن الآية في أصل سياقها تتحدث عن قدرة الله تعالى على إعادة الإنسان حتى أدق أجزائه، وليس فقط البصمة الحديثة وحتى بصمة العين.
ومن الآيات التي يُستأنس بها عند الحديث عن الآفاق الكونية أيضًا قوله تعالى:
﴿وَالسَّمَاءِ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: 47]
وقد ربط بعض المفسرين لفظ ﴿لَمُوسِعُونَ﴾ باتساع الكون، إن الاكتشافات الكونية الحديثة تفتح بابًا للتأمل في الآية، لا أن نجعل نظرية علمية متغيرة هي المعنى الوحيد للآية.
ومن ذلك أيضًا قوله تعالى:
﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: 30]
وهو معنى يوافق ما عرفه العلم الحديث من مركزية الماء في الحياة.
وهذه الأمثلة وغيرها ينبغي أن تُعرض باعتبارها وجوهًا للتدبر في آيات الله.
سورة النازعات: الملائكة والموت والبعث
استهل فضيلة الشيخ رشاد أبو الهيجاء حديثه في هذا الجانب من الدرس بتفسير أوائل سورة النازعات، وهي سورة مكية تبدأ بقسم عظيم من الله سبحانه وتعالى:
﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾
وقد نقل المفسرون عدة أقوال في هذه الآيات، ومن أشهرها أنها في الملائكة وأعمالها.
فقد نقل ابن كثير عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما أن المقصود بالنازعات الملائكة التي تنزع أرواح بني آدم، وأن منها من تنزع روح الكافر بشدة، ومنها من تأخذ روح المؤمن برفق.
وهذا منسجم مع قوله تعالى في موضع آخر:
﴿وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال: 50]
وقوله تعالى:
﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 32]
﴿والناشطات نشطًا﴾
ومن معانيها التي نقلها المفسرون: الملائكة التي تنشط أرواح المؤمنين عند قبضها، أي تخرجها بسهولة ورفق.
وقد نقل ابن كثير عن ابن عباس أن النازعات والناشطات تتعلقان بقبض الأرواح، مع اختلاف التفصيل في المراد بكل لفظ.
ثم يقول سبحانه:
﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾
أي الملائكة التي تسبح في تنفيذ أمر الله، وتسارع إلى طاعته، وتنفذ ما أمرها الله به.
فالملائكة عباد لله، لا يعصونه، وينفذون ما يأمرهم به، قال تعالى:
﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6]
ومن هنا يظهر معنى مهم: الملائكة ليست صاحبة قرار مستقل عن الله، وإنما هي جند من جنود الله، تنفذ أمره ومشيئته.
الرواية المتعلقة بملك الموت
وقد وردت في بعض الكتب رواية يُذكر فيها أن ملك الموت قال للنبي ﷺ ما معناه:
«والله لو أردت أن أقبض روح بعوضة ما قدرت على ذلك حتى يكون الله هو الآمر بقبضها».
فالمعنى العام الذي تؤكده النصوص الصحيحة هو أن الموت لا يقع إلا بأجل الله وأمره، قال تعالى:
﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: 145]
من الموت إلى البعث
بعد ذكر الملائكة وأعمالها، تنتقل السورة إلى مشهد القيامة:
﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾
فالراجفة هي النفخة التي ترجف لها الخلائق، ثم تتبعها الرادفة.
وهنا يظهر الانتقال من عالم الموت إلى عالم البعث والنشور.
ثم يقول الله تعالى:
﴿يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَّخِرَةً قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ﴾
أي أن الأمر عند الله لا يحتاج إلى ما يتصوره الإنسان من صعوبة؛ وإنما هي زجرة واحدة، فإذا الخلق قيام بين يدي الله.
ما معنى الساهرة؟
في تفسير قوله تعالى:
﴿فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ﴾
وردت أقوال متعددة عن السلف؛ فنقل ابن كثير عن ابن عباس أنها الأرض كلها، وقيل: وجه الأرض، وقيل: أرض بيضاء مستوية، ونقل أيضًا قولًا عن سفيان الثوري بأنها أرض الشام، وعن عثمان بن أبي العاتكة أنها أرض بيت المقدس. ثم رجح ابن كثير أن المقصود وجه الأرض.
وعليه يمكن الإشارة إلى قول من قال إنها أرض الشام أو أرض بيت المقدس، لكن لا يصح الجزم بأن نهاية العالم ستكون في منطقتنا اعتمادًا على آية الساهرة وحدها؛ لأن هذا أحد الأقوال المنقولة في التفسير وليس هو القول الوحيد بل هنالك عدة ايات واحاديث تثبت ان نهاية العالم في ارض الشام والله اعلم.
وهذا يفتح بابًا للتأمل في مكانة بلاد الشام وبيت المقدس في النصوص الإسلامية.
من عالم إلى عالم: الروح والبرزخ
ومن أهم القضايا التي تناولها فضيلته قضية الروح.
فالإنسان ليس مجرد جسد مادي؛ وإنما جعل الله فيه سر الحياة الذي لا يزال الإنسان عاجزًا عن إدراك حقيقته إدراكًا كاملًا.
قال تعالى:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85]
وهذه الآية تعلم الإنسان حدود معرفته؛ فمع كل ما وصل إليه العلم من معرفة الجسد وأعضائه ووظائفه، تبقى حقيقة الروح من عالم الغيب الذي استأثر الله بعلمه.
وعند الموت تنتهي مرحلة الدنيا، وينتقل الإنسان إلى عالم البرزخ.
قال تعالى:
﴿وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: 100]
والبرزخ مرحلة بين الدنيا والبعث، ليست هي الحياة الدنيا، وليست هي الحياة الأخروية الكاملة بعد القيامة.
وقد ثبت في الصحيح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال:
«إن أحدكم إذا مات عُرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة».
والحديث متفق عليه.
وهذا من الأدلة على وجود حياة برزخية وما فيها من نعيم أو عذاب.
كيف يعذب الكافر بعد الموت؟
العذاب البرزخي من أمور الغيب التي ثبتت بها النصوص، ولا يلزم أن يكون الإنسان في البرزخ على الهيئة نفسها التي يكون عليها بعد البعث.
فقد ثبت أن الميت يعرض عليه مقعده من الجنة أو النار إلى أن يبعثه الله، وهذا من نعيم البرزخ أو عذابه.
ولهذا ينبغي التفريق بين:
الموت → البرزخ → النفخ في الصور → البعث → الحساب → الجنة أو النار.
فالإنسان لا يعود إلى الحياة الدنيا بعد موته، وإنما ينتقل إلى مرحلة أخرى من الوجود لا ندرك حقيقتها إلا بالوحي.
ومن الآيات التي ترتبط بمشهد الموت قوله تعالى في سورة القيامة:
﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة: 26-30]
وتصوّر الآيات لحظة الاحتضار: تبلغ الروح التراقي، ويدرك الإنسان أن لحظة الفراق قد جاءت، ثم يكون المساق إلى الله سبحانه وتعالى.
خلاصة الدرس
إن سورة النازعات ترسم أمام الإنسان رحلة متكاملة:
الملائكة → قبض الروح → الموت → البرزخ → النفخة → البعث → أرض المحشر → الحساب.
وفي هذه الرحلة يظهر ضعف الإنسان وقوة الله سبحانه وتعالى؛ فالإنسان الذي يظن أن موته نهاية وجوده يخبره القرآن أن الموت ليس نهاية، وإنما انتقال من عالم إلى عالم.
والروح التي لا يستطيع الإنسان أن يحيط بسرها هي من أعظم أبواب التفكر في قدرة الله؛ فإذا فارقت الجسد انتهت حياة الإنسان الدنيوية، لكن الإنسان لا يفنى فناءً مطلقًا، بل ينتقل إلى البرزخ، ثم يبعثه الله يوم القيامة.
وهنا تتضح عظمة قوله تعالى:
﴿فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ﴾
فبعد الموت والبرزخ والنفخة، يجد الإنسان نفسه قائمًا في أرض المحشر، ينتظر الحساب.
وهكذا يربط القرآن بين الإيمان بالملائكة، والإيمان بالموت، والإيمان بالبرزخ، والإيمان بالبعث والنشور؛ ليصل الإنسان في النهاية إلى الحقيقة الكبرى:
أن الحياة الدنيا مرحلة، وأن الموت انتقال، وأن الرجوع إلى الله هو المصير





