جمعيّة التطوير الاجتماعيّ تُطلق «المجلس المدني الجماهيري العربي في حيفا»

مراسل حيفا نت | 07/07/2026

جمعيّة التطوير الاجتماعيّ تُطلق «المجلس المدني الجماهيري العربي في حيفا»: من ردّ الفعل إلى قوّة مجتمعيّة منظّمة
المجتمع في الواجهة يطالب لنفسه، والجمعيّة تسنده على الصعيد المهنيّ وتوفّر له البنية الداعمة

في خطوةٍ تُعدّ من أبرز محطّات العمل المدنيّ العربيّ في المدينة منذ سنوات، عقدت جمعيّة التطوير الاجتماعيّ حيفا يوم 1 تمّوز 2026 اللقاء التأسيسيّ الأوّل للمجلس المدني الجماهيري العربي في حيفا، بمشاركة نخبةٍ من أبناء المجتمع العربيّ الفلسطينيّ في المدينة وبناته، من مختلف المجالات والأجيال، إيذانًا بانطلاق مرحلة بناء هيئةٍ مدنيّة مجتمعيّة دائمة تنقل العمل الأهليّ من ردّ الفعل المتقطّع إلى قوّةٍ منظّمة تتابع أولويّاتها حتى النهاية.

ويأتي التأسيس في لحظةٍ حسّاسة: فضاءٌ مدنيّ يتقلّص، وإقصاءٌ بنيويّ يتعمّق، ومعالمُ حيفا العربيّة تُمحى واحدةً تلو الأخرى. فمن هدم البيوت الفلسطينيّة في وادي الصليب، إلى البرج المزمع تشييده من 27 طابقًا بمحاذاة المسجد الصغير (1761) وعلى أرض وقف؛ ومن تصاعد العنف وجرائم القتل التي تتقاعس الجهات المختصّة عن مواجهتها، إلى مدارسَ عربيّة يشحّ تمويلها وتُستهدف هويّتها. وفي هذا كلّه، لم يكن العائق يومًا أنّ المجتمع العربيّ الحيفاويّ لا يعرف ما يحتاجه، بل غياب قوّةٍ منظّمة دائمة تحمل هذه الاحتياجات إلى نهايتها.
وهنا يأتي دور المجلس، بوصفه هيئةً تنظيميّة مجتمعيّة تحوّل أولويّات السكّان العرب إلى نشاطٍ مدنيّ منسّق ومؤثّر، بآليّات متابعة، ولا تقتصر على التمثيل الرمزيّ. ويُطلَق ضمن استراتيجيّة الجمعيّة 2026-2029 «إعادة تصوّر مدينة حيفا: من آليّات التكيّف والمرونة إلى سيرورة تطوّر»، بوصفه انتقالًا مقصودًا من الاستجابة الظرفيّة وردود الفعل إلى قوّة مجتمعيّة منظّمة، تعمل عبر مسارٍ واضح: التحضير، المشاركة، التوثيق، المتابعة، المساءلة.
وقال مدير الجمعيّة فتحي مرشود في كلمته الافتتاحيّة: «لا نبني هذا المجلس لنتحدّث باسم النّاس، بل لنوفّر البنية التي تتيح لهم أن ينظّموا أنفسهم ويقرّروا بأنفسهم. مشكلاتنا معروفةٌ منذ سنوات، والجديد اليوم أن ننتقل من ردّ الفعل إلى قوّةٍ مجتمعيّة منظّمة تتابع أولويّاتها حتى النهاية».
ويشدّد القائمون على المبادرة على أنّ القضايا التي طُرحت في مجالات التخطيط والبنية التحتيّة، والتربية والتعليم، والأمان المجتمعيّ، قضايا معروفةٌ في المجتمع منذ سنوات، وسبق أن صيغ كثيرٌ منها في ورقة مطالب حظيت باعترافٍ واسع، وتبنّاها عددٌ من المرشّحين، واعترف بها ممثّلو المجتمع. أمّا الجديد فليس قائمة مطالبَ إضافيّة، بل المنهجيّة والرؤية من خلفها: بنيةٌ مدنيّة دائمة يملكها المجتمع، تنقله من ردّ الفعل المتقطّع إلى فعلٍ منظّمٍ متواصل.
ويضع منسّق الإعلام في الجمعيّة إيلي بدران هذا التحوّل في سياقه، فيروي حادثةً يعدّها مفصليّة: «في أحد مؤتمرات المساءلة التي تنظّمها الجمعيّة، قالت رئيسة بلديّة حيفا السابقة والمرشّحة لرئاستها مجدّدًا، عينات كاليش روتم، إنّ ‹العرب لا يعرفون كيف يطالبون›، بينما كنّا، كمجتمعٍ ومعنا الجمعيّة، قد طرحنا ورقة مطالب تبنّاها كثيرٌ من المرشّحين واعترف بها ممثّلونا.
الدرس الذي خرجنا به من تقييمنا لمسارات عملٍ سابقة واضح: لا يكفي أن تطالب الجمعيّة نيابةً عن المجتمع؛ المجتمع نفسه هو من يجب أن يكون في الواجهة، يتحرّك ويطالب لنفسه، والجمعيّة توفّر الإمكانيات والدعم المهنيّ والبنية التحتيّة اللازمة لذلك».
ومن جانبه، عبّر الدكتور حاتم خوري مشكورًا عن تفاؤله بهذا النوع من التنظيم المجتمعيّ وتشجيعه له، معتبرًا أنّه «الطريق الوحيد لتحقيق أيّ إنجاز»، وأنّ ما يحتاجه ممثّلونا في البلديّة فعلًا كي ينجحوا في تحقيق مطالب المجتمع هو تحديدًا هذا التنظيم المجتمعيّ المنبثق من القاعدة الجماهيريّة.
وهنا تتّضح المعادلة التي يقوم عليها المجلس: فهو لا يحلّ محلّ الممثّلين المنتخَبين ولا الأحزاب، بل يمنحهم ما يفتقرون إليه اليوم: أولويّاتٍ مجتمعيّةً منظّمة وموثّقة ومرتّبة، تسندها متابعةٌ مستمرّة، فيغدو صوت الممثّل داخل مؤسّسات المدينة أقوى ويصعب تجاهله. وفي المقابل، يحصل المجتمع على آليّةٍ تُتابع أولويّاته بشكلٍ منهجيّ حتى النهاية بدل أن تتبدّد. بهذا المعنى، المجلس بنيةٌ مدنيّة تجعل كلّ من يعمل لخدمة المجتمع العربيّ في حيفا، من الأهالي وممثّليهم والمؤسّسات، أقدرَ على تحقيق الأثر.
ويبقى دور الجمعيّة في هذه المرحلة محدَّدًا بوعيٍ بالجمع بين الأطراف، والتيسير، وتوفير البنية التحتيّة والسند، على أن يتطوّر المجلس خطوةً بعد خطوة بحيث يتمكّن أعضاؤه ولجانه من قيادته وإدارته وضمان استمراره واستدامته.
ولم تنطلق المبادرة من الجمعيّة وحدها، فقد شاركت الجمعيّة الفكرة والاستراتيجيّة الجديدة مع عددٍ من منظّمات المجتمع المدنيّ، فأبدت جميعها استعدادها لمساندة المجلس، كلٌّ من موقع اختصاصها المهنيّ، بوصفها بنيةً داعمة إضافيّة؛ وقد جرى خلال اللقاء التأكيد على دور مؤسّسات المجتمع المدنيّ في هذا المسار. وتحرص الجمعيّة على أن يبقى المجلس مستقلّاً والمبادرة مفتوحةً أمام الجميع، وتؤكّد من جديد أنّها هي المبادِرة إلى إطلاقه، لكنّه ليس ملكًا لها، بل إطارٌ جامعٌ يتّسع لكلّ من يريد أن يسهم في خدمة المجتمع العربيّ في حيفا.
وخلال اللقاء، توزّع المشاركون على ثلاث مجموعات عمل هي التخطيط والبنية التحتيّة، والتربية والتعليم، والأمان المجتمعيّ، وناقشت كلٌّ منها أولويّاتها قبل أن تعرضها في جلسةٍ ختاميّة. ففي التخطيط والبنية التحتيّة، جرى الوقوف عند المواصلات ومواقف السيّارات، والنقص في الخدمات بالأحياء العربيّة، من الحضانات والمدارس إلى النوادي والمساحات الخضراء، وحماية الموروث العمرانيّ والفضاءات الثقافيّة التي أُغلق كثيرٌ منها. وفي التربية والتعليم، طُرحت إعادة تفعيل الأطر اللامنهجيّة داخل المدارس، وبرامج الدعم التعليميّ المجّانيّة، وترسيخ ثقافة التطوّع، وإشراك الطلّاب في صناعة الحلول. أمّا في الأمان المجتمعيّ، فقد تصدّرت مواجهة العنف والجريمة النقاش، إلى جانب رصد احتياجات كلّ حيّ، وبناء قنوات تواصلٍ دائمة مع السكّان واللجان المحلّيّة، وتمكين الشباب.
وبرزت عبر المجموعات الثلاث قضايا مشتركة: تعزيز المشاركة المجتمعيّة، والاستثمار في الشباب، وتطوير الخدمات في الأحياء العربيّة، وبناء الشراكات، والحفاظ على الهويّة الثقافيّة والانتماء لمدينة حيفا، واعتماد العمل التشاركيّ طويل الأمد بدلًا من الحلول المؤقّتة. كما توقّف المشاركون عند حالةٍ من الإحباط المتراكم من مبادراتٍ سابقة لم تُثمر، ورأوا أنّ من أوّل مهامّ المجلس أن يعيد بناء الثقة بالعمل الجماعيّ وقدرته على إحداث التغيير.
كما تعتزم الجمعيّة تخصيص اللقاءات القادمة للانتقال من مرحلة تحديد القضايا إلى بناء استراتيجيّات وخطط عملٍ عمليّة لكلّ محور، مع تشكيل فرق عملٍ لمتابعة المحاور وتوسيع دائرة المشاركة.

جمعيّة التطوير الاجتماعيّ حيفا: جمعيّة عربيّة غير حزبيّة للتنظيم المجتمعيّ، بدأت عملها سنة 1982، وسُجّلت وتأسّست رسميًّا عام 1987، وعلى مدى نحو أربعة عقودٍ ظلّت مرجعيّةً مركزيّة للسكّان العرب في حيفا، تعمل على تنظيم المجتمع العربيّ الحيفاويّ وتمكينه لنيل استحقاقاته الكاملة وحصّةٍ عادلة من الخدمات والموارد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *