بقلم: الشيخ رشاد أبو الهيجاء “الفطرة السليمة”

مراسل حيفا نت | 26/06/2026

الفطرة السليمة هي الخِلقة الأصلية التي خلق الله الناس عليها، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. فهي فطرة سليمة في الخِلقة، وسليمة في الفكر، وسليمة في السلوك المنبثق من الإيمان بالخالق سبحانه وتعالى.

ثم جاء أمر الله للإنسان بالاستقامة حتى يوافق سلوكه هذه الفطرة، وإلا أصابها الانحراف، خاصة أن عوامل الانحراف كثيرة ومتعددة. قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

ويُستدل على معنى الفطرة بأنها الخَلْق، كما في قوله تعالى في سورة فاطر: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ…﴾.

ومن أهم أسباب سلامة الفطرة الإيمان بالله والاستجابة لأوامره، وهو العهد الذي أخذه الله على آدم عليه السلام وعلى ذريته إلى يوم القيامة، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا﴾.

لذلك، فما من مولود إلا ويولد على هذا العهد، أي على الفطرة السليمة، كما قال رسول الله ﷺ: “ما من مولود إلا ويولد على الفطرة”. لكن هذه الفطرة تتعرض مع مرور الزمن لعوامل كثيرة قد تُفسدها وتبعدها عن أصلها، فينعكس ذلك على سلوك الإنسان.

فعندما ترى ظالمًا، أو قاتلًا، أو عاقًا لوالديه، أو آكلًا لأموال اليتامى، أو من يبخس الأجير حقه، أو مغتابًا ونمامًا، فاعلم أن فطرته قد انحرفت، وأن أخلاقه فسدت، لأنه استجاب لشياطين الإنس والجن، الذين جعلوا غايتهم منذ خلق الله آدم إبعاد الإنسان عن طاعة ربه.

وقد أقسم إبليس على ذلك، فقال تعالى: ﴿… وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ… وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ…﴾.

إن خسارة من يستجيب للشيطان وأعوانه عظيمة، فهو يعيش في ضياع وتيه، ولا يعرف السعادة الحقيقية التي ينعم بها أصحاب الفطرة السليمة. ولذلك قال تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾، ثم بيّن عاقبتهم بقوله: ﴿أُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾.

وصاحب الفطرة السليمة هو الذي يتمرد على الباطل، ويثبت على الحق، وفاءً بالعهد الذي قطعه مع ربه، قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.

وتكون عبادة الشيطان باتباع الهوى والشهوات دون ضوابط شرعية، فيخرج الإنسان من دائرة الصلاح والإصلاح إلى دائرة الفساد والإفساد في الأرض. ولذلك حذر الله تعالى بقوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ…﴾.

إن الفطرة السليمة تحصّن صاحبها من إغواء شياطين الإنس والجن، مع أنهم لا يفتأون يسعون لإضلال الناس، قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾.

وقال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه: “خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين، فأحلت لهم الحرام، وحرمت عليهم الحلال.”

ومن أخطر أسباب انحراف الفطرة البيئة الفاسدة التي يسيطر عليها الشيطان، فتنشر المعتقدات والأفكار الهدامة التي أصبحنا نعاني آثارها في واقعنا، رغم التحذير الإلهي الواضح: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾.

فهؤلاء يدعون إلى المنكر، ويحاربون المعروف، ويستجيب لهم بعض أبنائنا وبناتنا بسبب الغفلة عن طريق الحق والاستقامة. ومن غفل عن ذكر الله اختلت فطرته، وأصبح معول هدم وفساد، ولذلك قال سبحانه: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً… وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾.

إن من أسباب هذه الغفلة انتشار الدعوات التي تسعى إلى إبعاد الدين عن الحياة، وحصره في العبادات والشعائر داخل دور العبادة، بحيث لا يكون له أثر في السياسة أو الاقتصاد أو المعاملات أو التشريعات. ومن هنا فُرضت قوانين وأفكار تمس الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها، وتتناقض مع منهجه القويم.

نسأل الله تعالى أن يثبتنا على الفطرة السليمة، وأن يرزقنا الاستقامة على دينه، وأن يعيذنا من مضلات الفتن، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *