الحضانة التي غيرت وجه الحليصة والمجتمع العربي في حيفا- من تكون السيدة وفاء أبو النيل؟

مراسل حيفا نت | 16/06/2026

بقلم المحامي وكاتب العدل
وسام جورج أسمر
شعارها في الحياة:
“ستبقى يدايَ ممدودةً بالخير ما دام بالجسَدِ نَفَس، فالعطاء ليس مجرد عمل نقوم به، بل هو الحياة التي نحياها وبكم ومعكم نواصل زرع الأمل.”
ولدت وفاء أبو النيل في مدينة الناصرة عام 1961. بعد انهاء دراستها الثانوية في مدرسة المخلص بالمدينة طرقت عدة مجالات؛ منها تصفيف الشعر، الخياطة، التطريز والفولكلور، لكنها لم تجد نفسها في أي منها. كان طريقها الحقيقي بانتظارها في مكان آخر…
بعد زواجها لحيفا وانتقالها إليها، تعلّمت وفاء رعاية الجيل المبكر وفي عام ١٩٩٠ كان الثمر الاول: حضانة لعشرة أطفال بين عمر ستة أشهر وثلاث سنوات في حي الحليصة كانت أول حضانة من نوعها في الحي، تعمل تحت إشراف مكتب الرفاه الاجتماعي ووزارة العمل. بفضلها، تغيّر وعي الأهالي ليدرك اهمية الحضانة البيتية التي تمنح الطفل الأمان والشعور العائلي والثقة بالنفس، مقارنة بالحضانات الكبيرة (מעונות).
في تلك الفترة نفسها، بدأت وفاء تطوعها يومين أسبوعياً في مركز خط الطوارئ لدعم النساء المعنّفات في الوسطين العربي واليهودي، تستمع وتوجّه. من هذا التطوع تشكّلت دائرة دعم حقيقية متكاملة تنمو وتتجدد كل يوم: نساء وصلن لشاطئ الأمان، فعدن، بألهام السيدة وفاء صانعة الأمل، ليساعدن أخريات بحاجة للأثاث والمعدات والدعم بشكل عام.
شبكة من العطاء بلا حدود:
توسّعت دائرة وفاء، فتعرّفت على أهل الخير ومؤسسات مثل بيت النعمة وأشخاص داعمين منهم عضو المجلس البلدي فاخر بيادسة والناشر صاحب مكتبة كل شيء صالح عباسي مدير مدرسة الحاج عبد الله في الحليصة محمد عواد ، كما وانضمت إلى برنامج “أم لأم” مع السيدة ماري جدعون لدعم الأهالي ذوي الظروف النفسية والمادية الصعبة، وبرنامج “בטרם” لتعليم الأمان للأطفال — في البيت، والطرق، والدراجات، والبحر وحمامات السباحة — حملة ما زالت مستمرة منذ ست سنوات في مدارس حيفا.
وفاء، اسمُ على مُسَمّى، لم تنسَ ايضاً الجيل الذهبي في الحليصة، فهي تزورهم في شهر رمضان الكريم وتؤمّن لهم المؤن والطعام، وتخصص جزءاً شهرياً ثابتاً من راتبها لهذا الدعم وفي شهر رمضان الماضي، بدأت مبادرة الإفطار الجماعي للعائلات المستورة في وادي النسناس في مدرسة الإخوة بحيفا.
الأثر الذي ورثته من والدها:
تقول وفاء إنها تأثرت بوالدها المرحوم، الذي كان عضواً في شركة “إيجد” وتاجراً لاجهزة التلفزيون وكان يقسم لقمته مع جيرانه دون أن يشعر هو بالشبع وهم جائعون ويمنح، من جيبه الخاص، جهاز التلفزيون لمن لم يستطع شراؤه مطبقاً مبدأه في الحياة: “كيف يُعقل ان يستمتع اولادي بالمشاهدة واولاد جيراني واصدقائي لا يشاهدون مثلهم؟؟” وتعدى هذا الكرم وقبول الاخر حتى الى المتسولين الذين لا بيت لهم، فكان يستقبلهم والد وفاء في بيته بشكل ثابت داعماً كرامتهم ورافعاً من شأنهم!! في البداية لم يفهم اهل البيت وبضمنهم وفاء الصغيرةً هذا السخاء العظيم ولم يرضوا به ، لكنه غُرِس عميقاً جدا عند وفاء في عقلها الباطن ليصبح، حينما كبرت ونضجت، جزءاً من كيانها ينضح بما فيهِ ويقول بكل فخرٍ واعتزاز: أن العطاء قيمة وكرامة واحترام لا يُقدّر إلا بعد أن يُعاش فعلاً كجزء من حياتنا على هذه الارض التي بهذه القيم تخلق ما يستحق عليها ان نحيا من اجلِها…
رسالتها السامية:
“ارحموا من بالأرض يرحمكم من بالسماء.”
بهذه الكلمات البسيطة العميقة، تختصر وفاء أبو النيل ستة وثلاثين عاماً من العطاء المتواصل، الذي حوّل حي الحليصة وحيفا كلها إلى ساحة خير لا تنقطع.
وفاء، الوفية، المخلصة الغالية: هنيئاً لمجتمعنا بأكمله بكِ: يداكِ التي امتدت بالخير لأجيال من الأطفال والنساء والعائلات، تستحق كل تقدير. تهانينا على هذا التكريم المستحق، دامَ عطاؤك يزرع الامل في مجتمعنا لسنين عديدة ودمت مصدراً للالهام لاجيال واجيال في مجتمعنا الذي حضنتيه بحبك اللا متناهي فأحبكِ وسيبقى يحبك بلا حدود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *