رأس السنة الهجرية 1448 بقلم: الشيخ رشاد أبو الهيجاء

مراسل حيفا نت | 12/06/2026

رأس السنة الهجرية 1448

بقلم: الشيخ رشاد أبو الهيجاء

نستعد لاستقبال رأس السنة الهجرية 1448، وهي مناسبة تستحضر في وجدان الأمة الإسلامية ذكرى الهجرة النبوية الشريفة، بما تحمله من معانٍ عظيمة ودروس خالدة في الصبر والتضحية والثبات على المبادئ. ومن المهم ألا تمر هذه الذكرى مرور الكرام، بل أن نتوقف عند أحداثها وعبرها لنستلهم منها ما يعيننا في حاضرنا ومستقبلنا.

لقد كانت هجرة الرسول الكريم ﷺ من مكة إلى المدينة المنورة فاتحة خير وبداية مرحلة جديدة لأناس عشقوا الحرية والعيش بكرامة. والمتتبع للسيرة النبوية يجد أن الهجرة لم تكن حدثًا منفصلًا، فقد سبقها هجرة الصحابة إلى الحبشة مرتين، كما هاجر الرسول ﷺ إلى الطائف، ما يدل على حجم الاضطهاد الديني الذي تعرض له هو وأصحابه بسبب دعوتهم إلى عبادة الله وحده ونبذ الجاهلية والعصبية والظلم.

ولم يكن الرسول محمد ﷺ بدعًا من الرسل، فالهجرة كانت سمة بارزة في حياة عدد من الأنبياء. فقد هاجر سيدنا إبراهيم عليه السلام مع لوط إلى أرض فلسطين بعد أن حاول قومه إحراقه، فقال تعالى: “فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم”. كما هاجر سيدنا موسى عليه السلام من مصر إلى مدين هربًا من بطش الظالمين، فقال تعالى: “فخرج منها خائفًا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين”.

ومنذ اللحظات الأولى لنزول الوحي على رسول الله ﷺ، أدرك ورقة بن نوفل طبيعة الطريق الذي ينتظره، فقال له بعد لقائه الأول بجبريل عليه السلام: “ما جاء رجل بمثل ما جئت به إلا عودي”، وأخبره أن قومه سيخرجونه من بلده. وقد تحقق ذلك بالفعل عندما اشتد أذى قريش وتآمرت على قتله.

لقد كانت الهجرة ضرورة لحماية الرسالة التي كلف الله بها نبيه الكريم، وتمهيدًا لبناء مجتمع جديد يقوم على الإيمان والعدل والكرامة الإنسانية. وعندما اجتمعت قريش في دار الندوة وقررت قتل الرسول ﷺ، أوحى الله إليه بالمغادرة والهجرة إلى المدينة المنورة، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ الإسلام.

وفي هذه الرحلة العظيمة اختار الرسول ﷺ رفيقه الوفي أبا بكر الصديق رضي الله عنه، الذي جسّد أروع معاني الإخلاص والتضحية. فقد وضع كل إمكاناته في خدمة الهجرة، وسخّر أفراد أسرته لإنجاحها؛ فكانت أسماء بنت أبي بكر تنقل الطعام إلى غار ثور، وكان عبد الله بن أبي بكر ينقل أخبار مكة، بينما كان عامر بن فهيرة يرعى الأغنام لإخفاء الآثار وتوفير اللبن للرسول وصاحبه.

كما تعلمنا الهجرة النبوية الأخذ بالأسباب مع حسن التوكل على الله. فالرسول ﷺ خطط لكل تفاصيل الرحلة بدقة، لكنه في الوقت نفسه كان واثقًا بنصر الله وحفظه. وقد تجلى ذلك عندما أحاط المشركون ببيته فلم يروه، وتجلى كذلك في غار ثور حين قال أبو بكر رضي الله عنه: “لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا”، فأجابه الرسول ﷺ بكلمات خالدة: “ما ظنك باثنين الله ثالثهما”.

وهكذا تحولت الهجرة من رحلة شاقة مليئة بالمخاطر إلى نقطة تحول كبرى في تاريخ الأمة، حيث انطلق الرسول ﷺ إلى يثرب التي أصبحت المدينة المنورة، وأسّس فيها مجتمعًا جديدًا ودولة قامت على الإيمان والعدل والتكافل.

إن ذكرى الهجرة النبوية ليست مجرد حدث تاريخي، بل مدرسة متكاملة في الصبر والثبات والتخطيط والتوكل على الله. وهي دعوة متجددة لكل مسلم ليجدد إيمانه، ويتمسك بقيم الحق والعدل، ويعمل من أجل بناء مجتمع تسوده المحبة والكرامة والحرية.

وكل عام والأمة الإسلامية بخير بمناسبة حلول رأس السنة الهجرية 1448.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *