بين الحرم الإبراهيمي وقبّة راحيل، نقطة وسقف ووهم بقلم جواد بولس

مراسل حيفا نت | 22/05/2026

رفضت المحكمة العليا الإسرائيلية، يوم الثلاثاء الماضي إلتماسا كانت قد قدمته بلدية الخليل ودائرة الأوقاف في المدينة، ولجنة إعمار البلدة القديمة في الخليل، ودائرة السياحة والأثار، ضدّ كل من دولة إسرائيل ووزير الأمن الإسرائيلي ورئيس “الإدارة المدنية”، في قضية عدل عليا رقم 64959/25.
يعود أصل الحكاية لإعلان نشره رئيس “الإدارة المدنية” للاحتلال بتاريخ 15/9/2025 يعلن بموجبه عن نية الاحتلال مصادرة بضعة مئات أمتار من أرض الحرم الإبراهيمي لغرض بناء سقفية لإحدى ساحاته الداخلية. وقد جاء في مستهل قرار المحكمة أن المكان يعتبر مكانا لصلاة اليهود والمسلمين، ويقع في منطقة صنّفت في حينه كمنطقة h2، وتديره دائرة الأوقاف الإسلامية، لكنه يخضع للسيطرة الأمنية الإسرائيلية.
حاول الجانب الفلسطيني أن يتوصل إلى حل للمشكلة مع الإسرائيليين بالتفاهم، ولهذا الغرض شارك مندوبون عنه في جولة معاينة ميدانية إلى جانب رئيس “الإدارة المدنية”، لكنهم طلبوا، قبل اتخاذ موقفهم النهائي، أن يتشاوروا فيما بينهم ومع منظمة اليونيسكو، التي كانت قد أعلنت عن الموقع كموقع تراثي عالميّ، ولكنهم لم يستنفدوا إجراءات التواصل معه، كما جاء في حيثيات قرار المحكمة.
وبعد أن أرسل الجانب الفلسطيني موقفه برسالة جاء فيها “بناء على موقف جميع المؤسسات والحمائل في محافظة الخليل، نعلمكم رفضنا المبدئي لتنفيذ أي عمل في سقف المغارة المقدسة أو إجراء أي تغيير في مبناها”، لم يمهلهم القائد العسكري للمنطقة أي وقت إضافي، فأعلن مصادرة المنطقة المستهدفة؛ ثم تحركت بعدها ما تسمى “بلجنة التخطيط العليا”، فأصدرت قرارا يقضي بنقل صلاحيات التخطيط من بلدية الخليل وتحويلها إلى “اللجنة الثانوية للتخطيط والبناء”، المسؤولة عن الشروع بالتخطيط ومتابعة عملية البناء الفعلي.
باشر الجانب الفلسطيني بتقديم اعتراضاته أمام لجان “الإدارة المدنية” المعنية، لكنه فشل في إيقاف المشروع، ومن المفترض أن ينتهي العمل عليه في منتصف شهر يونيو/ حزيران القادم؛ فتوجه الملتمسون إلى “محكمة العدل العليا” مطالبين بإبطال قرار المصادرة ووقف العمل بموجبه، ومؤكدين على أنهم أصحاب الحقوق في الموقع، وأنهم يملكون صلاحيات التخطيط والبناء فيه وأنهم المخوّلون الوحيدون لإجراء أي تعديلات عليه؛ ونوّهوا إلى أن القرار الإسرائيلي باطل ومسوغاته التنظيمية مغالطة وكاذبة، ويأتي استجابة لضغوط سياسية تقف وراءها جهات يمينية متطرفة ومتنفذة، وسياسيّون لا يخفون نيّتهم السيطرة الكاملة على الحرم الإبراهيمي.
لقد كتب قرار رفض الالتماس رئيس المحكمة القاضي يتسحاك عميت، بأسلوب “الضحك على اللحى” وبتسويغات مواربة، تميّز معظم قراراته عندما يكون الأمر متعلقًا بحقوق “الجانب الفلسطيني”. لن أشغل القراء بما كتبه هذا القاضي، المحسوب على القضاة الليبراليين في المحكمة، ففي نهايته دليل على ما سبقها وفيها يقول: “في السطر الأخير، ومن دون أن تخفى عنا الحساسية والتعقيدات الدينية-السياسية لمنطقة الحرم الإبراهيمي، فإن مشروع سقف الساحة يستهدف تقليص أضرار المطر في الموقع، وتحسين ظروف عبادة المصلين وتجميل منظر المبنى العام”. وانضم إليه، دون أن يزيد كلمة واحدة، القاضي دافيد مينتس، الذي يسكن في مستوطنة قريبة من رام الله، بينما كتبت القاضية روت رونين، التي عارض اليمين الإسرائيلي تعيينها آنئذٍ بسبب “اتهامها” بأنها يساريّة وتقدميّة، ما كتبته إرضاءً لبقية من ضمير لديها، أو ربما لأنها كانت تعرف أن القرار مغلوط وظالم، والأهم أن أبعاده المستقبلية أخطر من مجرد البحث عن وقاية للمصلين من أضرار المطر وعن تجميل مظهر المبنى.
لينتبه من يهمّهم مصير الحرم الإبراهيمي لما قالته هذه القاضية؛ فهي، بعد أن أعلنت موقفها قالت: “ليس من دون تردد، أنضم لما قاله زميلي عميت، وبناء على مجمل المعطيات علينا أن نرفض الالتماس”. ثم أضافت بضعة جمل تشي بحقيقة مخاوفها، وبشعورها بخطورة القرار؛ ففي”موقع الحرم الإبراهيمي، وهو موقع لا تحتاج أهميته وحساسيته، كما وصفها زميلي، إلى شرح أو تفصيل، فإن لكل بناء أو تغيير في مثل هذا الموقع دلالة كبيرة، بل أكبر بكثير مما لو كان الأمر يتعلق بموقع آخر. وكما قيل، وكما ادعى الملتمسون، نحن بصدد مصادرة من شأنها أن تجيز إحداث تغيير في الموقع وقد قام الملتمس ضدهم من أجل تنفيذ هذا الهدف، بسحب صلاحيات الملتمسين، المخولين في العادة وحسب القانون بتنفيذ عمليات التخطيط في الموقع”.
ليس أوضح من هذا الاعتراف وشعورها بما يخفيه ذاك السقف، وهي التي كان مشهد المجتمع الإسرائيلي وتفاصيل ما يجري داخل الدولة وفي الأراضي المحتلة أمام عينيها؛ ولذا أضافت أنها ترى “إن مثل هذه المصادرة يجب فحصها بحذر شديد”. لقد قالت ذلك لكن خوفها ورياءها من المدعى عليهم، فيما يبدو، قد غلبا بقية ضميرها المهزوم، ودفعاها إلى الانضمام لزميليها معلّلة موقفها بذرائع، تعرف هي أنها مهما كانت صحيحة فهي مجرد فقاعات، أمّا الأساس فهو نتيجة قرارهم التي كانت شريكة في صياغته.
إن تاريخ زحف الطامعين اليهود في الاستيلاء على الحرم الإبراهيمي طويل ومعروف؛ وقد زادهم القرار الأخير ثقة أنهم قادرون على المضي في مخططهم، ربما بخطى أكبر وبوتيرة ستضمن لهم، في نهاية المطاف، تحكمهم في الموقع، وتحييد بلدية الخليل وجميع دوائرها عن مركز الحدث أو موضعتهم في الهامش، كما جرى في مواقع مقدسة عديدة. أذكر منها على سبيل المثال “قبة راحيل” التي انتصرت فيها “راحيلهم” على مقام الصحابي بلال بن رباح، وتحولت “حبتها” الى قبة وصار محيط القبة معسكرًا واسع الأطراف، ومقامًا يهوديًا يؤمه الالاف وحاجزا عسكريا يتحكم في مدخل مدينة بيت لحم الشمالي ويخنق سكان تلك المنطقة.
ليس صدفة أنني تذكرت قصة قبة راحيل؛ فعندما بدأت قوات الاحتلال تؤسس لانشاء معسكر الجيش، وتحاصر كامل المنطقة الشمالية للمدينة، تحركت بلدية بيت لحم وكان يرأسها في ذلك الحين المرحوم الياس فريج. انتدبتُ لتقديم اعتراض على التعديات الإسرائيلية وعلى خرقهم للاتفاقيات التي وقعت حديثًا مع السلطة الفلسطينية، لا سيما الاتفاق الخاص بقبة راحيل. شكّل الجانب الفلسطيني وفدا شارك فيه بعض الإخوة العسكريين الفلسطينيين ومندوبون عن بلدية بيت لحم، وبدأنا بسلسلة لقاءات مع الجانب الإسرائيلي. عقد أحد اللقاءات الميدانية في منطقة قريبة من قبة راحيل. أذكر أننا تجمعنا حول مقدمة جيب عسكري فرشوا عليه خارطة مفصلة للمنطقة المحيطة للموقع، تبيّن أنها الخارطة التي أرفقت باتفاق، كان قد وقّعه الطرفان حول منطقة قبة راحيل، وفيه وضعت الترتيبات المتفق عليها. شمل الاتفاق موافقة الجانب الإسرائيلي على إعطاء دائرة أوقاف بيت لحم إذنا، لبناء طابق ثان فوق منطقة مخازن تجارية محاذية للشارع الرئيسي القريب من القبة، وموافقة المفاوض الفلسطيني على منح الجيش الإسرائيلي الحق باقامة ثلاث “نقاط مراقبة أمنية” لحماية المكان وسلامة الوافدين اليهود لزيارته في المستقبل. وتبين أيضا أن الأزمة قد اندلعت في الموقع بسبب “نقطة”؛ فالمفاوض الإسرائيلي كان يخطط، حين طالب بانشاء ثلاث نقاط، تحويلها إلى “بحيرة عسكرية” مدّعيا أن “النقطة” بالعبرية، وهي “نيكودا” تعني أيضا موقعًا أو مكانًا وهذا ما فرضوه في نهاية المطاف، على أرض الواقع.
لن أحدثكم كيف كان شعورنا حينها، ونحن منكبون على الخريطة وبروتوكولها ونحاول أن نفهم كيف يمكن أن يحصل ما حصل، وكيف لم ينتبه الجانب الفلسطيني إلى أن معظم معسكرات إسرائيل ومستوطناتها قد بدأت بنقطة أو ببؤرة. ولا أعرف لماذ اختار “الجانب الفلسطيني” التوجه في هذه القضية إلى “محكمة العدل العليا”؛ وقد قلنا منذ سنوات إن عليه إعادة النظر في هذه المسألة وتقييمها من جديد، على ضوء دور هذه المحكمة الواضح في ترسيخ الاحتلال وتبييض جرائمه، وتأثيره على مكانة فلسطين في بعض المحافل الدولية. أقول هذا وأخشى أن السقف الصغير الذي سيبنون في الحرم الإبراهيمي هو مجرد “نقطة”، بعدها قد يأتي الطوفان؛ وسيجري ذلك تحت سقف العدل الإسرائيلي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *