بقلم الشيخ رشاد أبو الهيجاء
الحج (1447 هـ)
تحدثتُ الأسبوع الماضي عن فضل الأيام العشر الأوائل من شهر ذي الحجة، وقلنا إن مما يميزها أن فيها تؤدى فريضة الحج. وها نحن نعيش مشاعر الشوق إلى بيت الله العتيق، والحنين إليه في ازدياد، لأداء فريضة الحج التي أوجبها الخالق على عباده مرةً في العمر لمن استطاع إليه سبيلاً.
قال تعالى:
﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾.
في أول بيتٍ وُضع للناس لعبادته، قال تعالى:
﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾.
ويُعتبر الحج الركن الخامس من أركان الإسلام، لقول رسول الله ﷺ:
«بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً».
ومن رحمة الله بعباده أنه لم يجعل أداء هذا الركن في كل عام، لما في ذلك من مشقة على الناس، وخاصة في زماننا حيث تكلفة الحج عالية جدًا. وقد جاء هذا التخفيف على لسان رسول الله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، حين وقف خطيبًا في الناس وقال لهم:
«أيها الناس، قد فرض الله عليكم الحج فحجوا».
فقال رجل: «أكل عام يا رسول الله؟».
فصمت رسول الله ﷺ حتى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله ﷺ:
«لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم».
والحج لا يصح إلا في مكة، التي أقسم الله بها لشرفها ومكانتها عنده، فقال تعالى:
﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾،
وقال: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾.
وقد جعله الله بلدًا يُرفع فيه علم الحب والتراحم والتعاضد والأمن والأمان، قال تعالى:
﴿وَجَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
وقال تعالى:
﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾.
وما جعله الله مثابة إلا لأن قلوب المؤمنين تحن إليه في كل زمان، ومن على كل بقعة من بقاع الأرض، لأن هذه القلوب تعلم أن لها منافع روحية إيمانية، ودنيوية واجتماعية، لا يمكن أن تكون لهم في أي بقعة أخرى من بقاع الأرض.
قال تعالى:
﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾.
وكيف لا، وقد سُئل رسول الله ﷺ:
«أي الأعمال أفضل؟»
قال: «إيمان بالله ورسوله».
قيل: «ثم ماذا؟»
قال: «الجهاد في سبيل الله».
قيل: «ثم ماذا؟»
قال: «حج مبرور».
والحج المبرور هو الحج الذي لا يخالطه إثم، بل هو الحج الذي يروض الحاج نفسه فيه على ألا يرفع صوته في حوار أو نقاش لا فائدة منه.
قال تعالى:
﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾.
لأن الجدال يورث الخصومات ويثير الفتنة، لذا على الحاج أن يشغل نفسه بالذكر والطاعات وحسن الخلق، وعلى ذلك يروض نفسه في أصعب المواقف، حين يكون وحيدًا بين ملايين البشر، لكلٍّ لغته ولونه وعاداته.
ومن كان حاله على مثل ذلك، تزف إليه البشرى من رسول الله ﷺ القائل:
«من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه».
وفي حديث آخر:
«من حج فلم يرفث ولم يفسق، غفر له ما تقدم من ذنبه».
وهذا ما كان يؤكده رسول الله ﷺ للتائبين، فعن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال:
«فلما جعل الله الإسلام في قلبي، أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، ابسط يمينك فلأبايعك. فبسط يمينه، فقبضت يدي. قال: ما لك يا عمرو؟ قلت: أردت أن أشترط. قال: تشترط ماذا؟ قلت: أن يغفر الله لي. قال: أما علمت يا عمرو أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما قبلها، وأن الحج يهدم ما قبله».
ونستنتج أن للحج فضائل كثيرة، وقد جمع لنا الرسول الكريم ﷺ باقةً منها في الحديث الذي رواه ابن عمر رضي الله عنهما، إذ قال رسول الله ﷺ:
«فإنك إذا خرجت من بيتك تؤم البيت الحرام، لا تضع ناقتك خفًا ولا ترفعه إلا كتب الله لك به حسنة، ومحا عنك خطيئة.
وأما ركعتاك بعد الطواف، كعتق رقبة من بني إسماعيل.
وأما طوافك بالصفا والمروة، كعتق سبعين رقبة.
وأما وقوفك عشية عرفة، فإن الله يهبط إلى السماء الدنيا فيباهي بكم الملائكة، يقول: عبادي جاءوني شعثًا من كل فج عميق يرجون رحمتي، فلو كانت ذنوبهم كعدد الرمال، أو كقطر المطر، أو كزبد البحر، لغفرتها، أفيضوا عبادي مغفورًا لكم ولمن شفعتم له.
وأما رميك الجمار، فلك بكل حصاة رميتها تكفير كبيرة من الموبقات.
وأما نحرك، فمدخور لك عند ربك.
وأما حلاقة رأسك، فلك بكل شعرة حلقتها حسنة، وتمحى عنك بها سيئة.
وأما طوافك بالبيت بعد ذلك، فإنك تطوف ولا ذنب عليك، يأتي ملك حتى يضع يديه بين كتفيك، فيقول: اعمل فيما تستقبل، فقد غفر لك ما مضى».
قال ربنا سبحانه:
﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾.
ولذا تعالوا بنا نردد مع مضاض بن عمرو، الذي كان يندب حظه وحظ قومه الذين أُخرجوا من مكة، وقد وصل إليها متعقبًا إبلًا له، فوقف على جبل أبي قبيس وأنشد قائلاً:
وقائلةٍ والدمعُ سكبٌ مبادرُ
وقد شرقت بالدمع منها المحاجرُ
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا
مقامٌ ولم يُسمر بمكة سامرُ
ولم يتربع واسطًا فجنوبه
إلى المنحنى من ذا الأراكة حاضرُ
فقلت لها والقلب مني كأنما
يُجلجل بين الجناحين طائرُ
بلى نحن كنا أهلها فأزالنا
صروف الليالي والجدود العواثرُ












