المثقف بين الفعل والمسؤولية: تجربة من حيفا كتبت: سامية عرموش إعلامية وباحثة في ثقافة السينما من حيفا

مراسل حيفا نت | 14/05/2026

المثقف بين الفعل والمسؤولية: تجربة من حيفا
كتبت: سامية عرموش
إعلامية وباحثة في ثقافة السينما من حيفا
———————
الجذور: حيفا التي كانت ومن بقي فيها
من السهل أن نجلد الذات المثقفة ونكرر مقولات “التخلف العربي” و”العالم الثالث”. لكن حيفا تعلّمنا أن الثقافة ليست بضاعة تُستورد، بل ذاكرة تُستعاد وفعل يُنتزع.
حيفا قبل 1948 كانت مركزاً حضارياً عابراً للحدود، ارتبطت في الذاكرة الثقافية بأم كلثوم التي نالت فيها لقب “كوكب الشرق” وفق بعض الروايات والمؤرخين كبروفيسور مصطفى كبها ودكتور جوني منصور، واحتضنت فريد الأطرش وفرقة يوسف وهبي. في ظل الحكم العسكري وما بعد النكبة، لم تنقطع هذه الذاكرة، بل استمر حضورها بفضل جيل الرواد؛ حنا أبو حنا، فتحي فوراني وآخرين ممن جعلوا من الكلمة والقصيدة شرطاً للبقاء.
وفي تشكّل علاقتي المبكرة بالثقافة، لا يمكن إغفال معرض الكتاب العربي الذي كان ينظمه الناشر صالح عباسي ضمن مهرجان الثقافة والكتاب في بيت الكرمة في حيفا. كنتُ طالبة في المرحلة الإعدادية ، أوفّر من مصروفي القليل لشراء الكتب، في زمن لم تكن فيه المعرفة متاحة بسهولة. كان ذلك المعرض نافذتي الأولى نحو القراءة وتكوّن الوعي.
المبادرة الفردية وكسر انغلاق المثقف
المثقف الذي يُتهم بالانهزامية هو غالباً من ينتظر “الإذن” ليبدع. في حيفا، كان علينا أن نجترح الفعل داخل النقص نفسه.
في بداياتي الصحفية، قبل أكثر من خمسة وعشرين عاماً، في “الاتحاد” و”الأهالي”، أذكر كيف كان الناشط هاشم دياب، في مطلع الألفية، يواجه شحّ الإمكانيات عبر “مجموعة الليلة الأولى”، إذ كان يستأجر مسرح الميدان بجهده الخاص ليمنح الشباب مساحة مجانية. كان يدرك أن المثقف الفاعل هو من يصنع الفضاء لا من ينتظره.
ما تحقق في حيفا لم يكن وليد وفرة موارد، بل جاء رغم شحّ الإمكانيات وفي ظل واقع سياسي مركّب، تعرّضت فيه مؤسسات ثقافية عربية لضغوط وملاحقات حدّت من قدرتها على الاستمرار. ومع ذلك، استمر الفعل الثقافي كمسار تراكمي أعاد إنتاج حضور عربي حيّ في المدينة.
في مدينة يشكّل العرب فيها نحو 10% تقريباً من السكان، لم يكن الحفاظ على الثقافة أمراً تلقائياً، بل نتيجة عمل جمعيات ومثقفين آمنوا بأن الثقافة شرط وجود لا ترفاً.
الإعلام كمساحة فعل ثقافي
في تجربتي الإعلامية مع أخبار “هوت”، كان الإصرار على مساحة للثقافة والتربية وسط الأخبار السياسية موقفاً واعياً، لا مجرد خيار مهني. بدعم من الإعلامي فايز عباس، حصلنا على نافذة داخل النشرة، لكنها أكدت أن الإبداع الثقافي في حيفا وأم الفحم وطمرة ليس هامشاً، بل جزء من الخبر اليومي.
السينما المستقلة: الجسر الأخير
إن نجاح الشباب الفلسطيني في تنظيم مهرجان سينمائي مستقل في حيفا شكّل فعلاً ثقافياً مضاداً للعزلة، أعاد ربط المدينة بعمقها العربي عبر الصورة والفن، في مواجهة محاولات التهميش والانغلاق. لم يكن هذا الحدث نشاطاً عابراً، بل تعبيراً عن إرادة جيل كامل في إنتاج مساحة ثقافية بديلة تفتح أفقاً مختلفاً للانتماء والذاكرة والهوية.
الفضاءات الثقافية في مطلع الألفية
في مطلع الألفية، ومع افتتاح مقاهي مثل “فتوش” و”دوزان”، عاد المقهى ليأخذ دوراً ثقافياً جديداً كفضاء للحوار والمعارض والأمسيات الفنية. هناك، استُعيدت روح الصالون الثقافي بشكل معاصر، لتتحول هذه الأماكن إلى منصات بديلة للفعل الثقافي في المدينة، في مواجهة محاولات تسليع الذائقة وإفراغها من بعدها الجمعي.
المثقف بين الفعل والمسؤولية
لكن، إذا أردنا الصراحة، فليس كل مثقف بمنأى عن مظاهر التعثر. بعضنا اكتفى بدور المراقب، أو اختبأ خلف خطاب تنظيري، أو انتظر الاعتراف قبل الفعل. التراجع لا يبدأ من الخارج فقط، بل من لحظة تخلي المثقف عن مسؤوليته اليومية تجاه مجتمعه.
يبقى السؤال الحقيقي: هل نملك الموارد؟ أم نملك الإرادة لمواصلة الفعل الثقافي رغم غيابها؟
خلاصة الرؤية
في حيفا، تعلمنا أن التراجع ليس قدراً، بل حالة ذهنية تُكسر بالفعل. الثقافة، رغم أزماتها، قادرة على إنتاج مثقف أكثر صلابة حين يواجه ذاته قبل أن يواجه العالم.
نحن لا نحفظ التراث كذاكرة جامدة، بل نعيد إنتاجه كفعل يومي من الصمود، بدأه الرواد ويُكمله جيل المبادرات الثقافية. المثقف الحقيقي هو من يحوّل الأزمة إلى فعل، لا إلى شكوى، ويصنع هوية لا تنهزم أمام محاولات التهميش، بل تظل راسخة كجبل الكرمل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *