بمناسبة أسبوع الممرضين والممرضات، تجسّد قصة دورا أبو عقصة حداد معنى الرسالة الحقيقية للتضحية والعطاء. فوسط وابل من صفارات الإنذار، وخلال حمل متقدّم، لم تتخلَّ عن التوجّه إلى عيادة “مئوحيدت” في عكّا رغم الصعوبات والمخاطر. وحتى عندما اضطرت للاستلقاء على الشارع، اختارت دورا أن تقف في الخط الأمامي الطبي من أجل مرضاها. وتحمل قصّتها لمحة مؤثرة عن واقع يجمع بين أمومة جديدة وعمل تحت النار، وعن قوة ممرضة قدّمت الكثير لمرضاها رغم الظروف.
دورا أبو عقصة حداد، البالغة من العمر 29 عامًا من قرية معليا، متزوجة وأم لابنتها ماريا، وتعمل ممرضة في عيادة “مئوحيدت” في منطقة الشمال بعكّا. وعلى مدى خمس سنوات كانت جزءًا لا يتجزأ من جهاز الصحة، لكن في فترة الحرب الأخيرة وجدت نفسها تواجه واقعًا معقدًا. فبينما كانت في مرحلة متقدّمة من الحمل، كانت تسافر يوميًا إلى عملها تحت وابل من صفارات الإنذار والصواريخ، واستمرت في الحضور حتى عندما كان من الصعب توقّع ما قد يحدث على الطريق.
المعركة المزدوجة: حمل في ظلّ الحرب
فترة الحرب جعلت الروتين الصعب أصلًا أكثر تعقيدًا. فبينما كانت في مرحلة متقدّمة من الحمل، واصلت دورا الوصول إلى عملها رغم صفارات الإنذار التي كانت تفاجئها مرارًا وتكرارًا في طرق مفتوحة بلا ملجأ أو مكان آمن للاحتماء. وتقول: “كانت هناك لحظات من الخوف الحقيقي. معرفة أنه لا يوجد مكان للاختباء، وأن كل ما يمكن فعله هو الاستلقاء على الطريق المكشوف وانتظار الأسوأ”. ورغم ذلك، لم تفكر للحظة في التوقّف عن الحضور. فإحساسها العميق بالرسالة، إلى جانب إيمان راسخ ودعم الطاقم الطبي والعائلة، هو ما منحها القوة للاستمرار والمضي قدمًا.
جبهة من التعاطف: الروتين المزدحم داخل العيادة
الروتين في عيادة “مئوحيدت” في عكّا بعيد كل البعد عن كونه روتينًا عاديًا. فالحديث يدور عن مركز طبي يخدم شريحة سكانية شديدة التنوع، ما يتطلب حساسية قصوى وملاءمة شخصية لكل مريض ومريضة. يبدأ يوم دورا باكرًا بتحضير الغرف وإجراء فحوصات دقيقة، ثم يستمر باستقبال المرضى والعمل المتواصل مع طاقم الأطباء. وفي بعض الأحيان يكون الضغط كبيرًا إلى حدّ لا يتيح حتى لحظة واحدة لالتقاط الأنفاس. ورغم هذا الإيقاع السريع والمشحون، تجد دورا المعنى الحقيقي في عملها. وتقول: “أنا لا أقدّم علاجًا طبيًا فقط، بل أكون مع المرضى في أصعب لحظاتهم، في لحظات الخوف والقلق والألم”. وبالنسبة لها، فإن الشعور الحقيقي بالرضا يأتي من اللحظات الصغيرة، من كلمة طيبة من مريض، أو ابتسامة تعبّر عن ارتياح، أو إدراك بأنها جزء من فريق ينقذ الأرواح كل يوم من جديد.
بين الأمومة الجديدة والجبهة الطبية
جاءت الولادة المنتظرة مباشرة بعد وقف إطلاق النار، لكن الهدوء لم يدم طويلًا. وجدت دورا نفسها أمام معضلة صعبة كأم شابة لطفلة صغيرة. كان الخوف من ترك الطفلة في المنزل وسط حالة عدم الاستقرار الأمني ثقيلاً، ومع ذلك اختارت العودة إلى الجبهة الطبية. وتوضح: “كان لدي التزام عميق تجاه مكان عملي”. اتُّخذ القرار بالتعاون مع العائلة، التي لعبت دورًا محوريًا في الدعم والمساندة. أما العودة إلى العمل خلال موجة تصعيد جديدة، فكانت بالنسبة لها خطوة حتمية وواجبًا مهنيًا، علمًا أنّ الجمع بين أمومة جديدة وعمل مكثف ليس أمرًا بسيطًا على الإطلاق. وتؤكد دورا: “أنا لا أفعل ذلك وحدي. من دون الدعم غير المشروط من العائلة ومن زوجي، لم يكن ذلك ممكنًا”.
خلف كل ممرضة يوجد إنسان
مع اقتراب أسبوع الممرضين والممرضات، تطلب دورا أن نتذكر جميعًا الصورة الكاملة. فالممرضات لسن مجرد جهة تنفيذية داخل جهاز الصحة، بل هنّ الركيزة المهنية والعاطفية الثابتة بالنسبة للمرضى. هنّ من يلاحظن التغييرات الحرجة، ويرافقن الإنسان في أكثر اللحظات تعقيدًا في حياته، ويمنحن شعورًا بالأمان داخل واقع غير مستقر. وفي ختام حديثها، تطلب دورا من الجمهور التحلّي بالصبر والاحترام، قائلة: “من المهم أن نتذكّر أنه خلف كل زيّ في عملنا يوجد إنسان. لدينا أيضًا مخاوف وقلق وضغوط شخصية، ومع ذلك نختار في كل مرة أن نضع كل ذلك جانبًا لنكون هنا من أجلكم”.













