بقلم: الشيخ رشاد أبو الهيجاء
الله اللطيف
قال تعالى: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون)، وقال رسول الله ﷺ: (إن لله تسعةً وتسعين اسمًا، مائةً إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة). ومن أسماء الله الحسنى اسم اللطيف، وهو اسم يحمل في طياته معاني الرحمة الخفية، والتدبير الحكيم، والرعاية التي قد لا يدركها الإنسان في حينها.
في هذه الأيام العصيبة، فقد كثير من الناس الثقة بكل شيء، حتى إن بعضهم بات يشك في نفسه، ويظن أن رحمة الله لم تنله، غافلًا عن قوله تعالى: (الله لطيف بعباده). فمن أيقن أن الله لطيف، لا يستسلم للهم والغم، بل يبقى الأمل حيًا في قلبه، مهما اشتدت الفتن وتكاثرت المحن، مؤمنًا بأن لطف الله يشمله، وأن ما أصابه عارض زائل، وأن في كل ابتلاء تهيئة لمرحلة أرقى وأفضل.
وقد رسّخ النبي ﷺ هذا المعنى بقوله: (والذي نفسي بيده، لا يقضي الله لمؤمن قضاءً إلا كان خيرًا له). فاسم الله اللطيف يتجلى في أقداره، إذ يحمل كل قضاء لطفًا خفيًا، قد لا يدركه الإنسان لقصور علمه بالغيب. قال تعالى: (قل لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء).
إن لطف الله يسوق الأرزاق، وييسّر الأمور، ويقضي الحاجات من حيث لا يحتسب العبد، حتى في أشد الظروف ظلمة وضيقًا، قال تعالى: (الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز). فجمع سبحانه بين اللطف والقوة، ليؤكد أن تدبيره قائم على علمٍ تام، وقدرةٍ مطلقة، وإحاطةٍ بأسرار النفوس وما تخفي الصدور، قال تعالى: (ولا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير).
وفي القرآن الكريم شواهد كثيرة تؤكد هذا المعنى. فهذا نبي الله إبراهيم عليه السلام، حين كسر الأصنام، أراد قومه إحراقه، فجاءه لطف الله: (قلنا يا نار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم)، فنجّاه الله وجعل كيد أعدائه خاسرًا.
وكذلك قصة نبي الله يوسف عليه السلام، التي تجسد لطف الله بأبهى صوره؛ من البئر إلى العبودية، ثم إلى السجن، حتى بلغ أعلى المراتب، فقال: (إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم). لقد تحولت المحن إلى منح، بفضل تدبير الله الخفي.
وفي قصة موسى عليه السلام، حين صدر الأمر بقتل أطفال بني إسرائيل، تدخل لطف الله، فأوحى إلى أمه أن تلقيه في اليم، ليعود إليها آمنًا، ويكون من المرسلين، قال تعالى: (فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق).
ويظهر لطف الله كذلك في أحلك الظروف، حيث يفرّج الكرب، ويبدل الخوف أمنًا. ففي غزوة أُحد، وبعد أن اشتد البلاء على المسلمين، وتفرقوا تحت وطأة الشائعات، أعاد الله جمعهم وثباتهم، فكان في ذلك درسٌ عظيم في أن لطف الله لا يغيب، حتى في لحظات الشدة والانكسار.
إن من أدرك معنى اسم الله اللطيف، وعاشه يقينًا في قلبه، لا يخاف من عدو مهما بلغ قوته، ولا من مكر الماكرين، ولا يحيد عن الحق، لأنه يعلم أن وراء كل أمر تدبيرًا إلهيًا رحيمًا، وأن لطف الله يحيط به من حيث لا يشعر.
فليكن هذا الاسم حاضرًا في قلوبنا، نستحضره في الشدة قبل الرخاء، ونوقن أن الله يدبر لنا الخير، حتى وإن خفيت عنا حكمته، فهو سبحانه اللطيف الخبير.












