التقوى بعد رمضان
بقلم الشيخ رشاد أبو الهيجاء
قبل أيامٍ قلائل كنا قد امتنعنا عن الأكل والشرب والشهوات في نهارنا طاعةً لله واستجابةً لرسوله، وها نحن اليوم يُباح لنا ذلك طاعةً لله واستجابةً لرسوله. وهذا يؤكد ضرورة المحافظة على علوّ الهمم بعد رمضان؛ لأن من اعتاد طاعة ربّه في رمضان لا يمكنه أن يقطع عهده مع الله بعده. وإن ضعفت همّته، فلا بد أن يشحذها بكثرة الطاعات ليجبر ما نقص منها.
وعلوّ الهمم في الطاعات والعبادات لا ينحصر في جانبٍ واحد، فالصلاة والصيام والزكاة وغيرها من العبادات إنما هي محفزات للقيم والأخلاق. وهذا ما ندركه من خلال قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾، وفي الحديث: «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له». وكذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ… لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، فغاية الصيام الارتقاء إلى منزلة التقوى، ولا تتحقق إلا بالقيم والأخلاق.
لذا قال رسول الله ﷺ: «ربَّ صائمٍ لم ينله من صيامه إلا الجوع والعطش، وربَّ قائمٍ لم ينله من قيامه إلا السهر والتعب»، وقال: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجةٌ في أن يدع طعامه وشرابه». وقال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾، فإخراج الزكاة تطهيرٌ للنفوس قبل أن يكون سببًا في تطهير الأموال.
كل هذه النصوص تؤكد حقيقةً ثابتة، وهي أن الله جلّ في علاه ما فرض العبادات إلا لغاياتٍ سامية، منها الروحانية التي تجعل المؤمن سماويّ التوجه لا أرضيّ التعلّق، كما قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. فانشغال المؤمن بذكر الله والصلاة يجعله يستشعر رقابة الله عليه، فلا يجزع إن خاف الناس، ولا يطمع في أموالهم، بل يكون حاله: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ﴾.
وأما الجانب الإنساني، فمن الضروري أن يتفاعل المسلم مع هموم أمته وقضاياها، فقد قال رسول الله ﷺ: «من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم»، وقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. وقال الجنيد: «ليس المتقي من يحب للناس ما يحب لنفسه، ولكن المتقي من يحب للناس أكثر مما يحب لنفسه».
ولا ينسى من صام وقام رمضان أنه قام بأعمالٍ عظيمة، ففي الحديث القدسي: «وما تقرّب إليّ عبدي بشيءٍ أحبّ إليّ مما افترضته عليه». وهذه الأعمال تحتاج إلى حفظٍ ورعاية، ولا يكون ذلك إلا بالأخلاق الحسنة، والمحافظة على القيم الرفيعة، والاستدامة على الطاعة، مع حثّ الأهل والخلان على الثبات على العهد الذي قطعوه مع الله.
قال تعالى:
﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ… فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾،
وقال أيضًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾.
ومعنى الإسلام هنا: الاستسلام التام لجلال الله حتى آخر يوم في حياة الإنسان.
وقد بيّن النبي ﷺ حقيقة ذلك بقوله: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده». فمن يسّر الله له أن يحفظ جوارحه في رمضان، فعليه أن يحفظها بعده؛ فمن ترك الغيبة والنميمة في رمضان، فليستمر على ذلك، ومن اجتنب الظلم، فليثبت على عهده.
فإن ربّ رمضان هو ربّ سائر الشهور والأيام، وقد حرّم الظلم على نفسه، فقال في الحديث القدسي: «إني حرّمت على نفسي الظلم وجعلته بينكم محرّمًا فلا تظالموا». ومن الظلم أن يعود الإنسان بعد رمضان إلى المعاصي، وقد قرأ قول الله تعالى:
﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾،
وقوله: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾.
كما أن الجوارح ستشهد على الإنسان يوم القيامة، قال تعالى:
﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾،
وقال: ﴿حَتَّىٰ إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم﴾.
لذا أنصح نفسي وأنصح الجميع بالإكثار من النوافل، حتى لا تترك النفس الأمّارة بالسوء مجالًا لوساوس الشيطان، ولنثبت على ما عاهدنا الله عليه في رمضان، سائلين الله القبول والثبات.








