نودّع رمضان بالخير بقلم: الشيخ رشاد أبو الهيجاء

مراسل حيفا نت | 13/03/2026

نودّع رمضان بالخير
بقلم: الشيخ رشاد أبو الهيجاء

أيامٌ قلائل تفصلنا عن يوم الجائزة. وقبل أيام قليلة كنا نستعد لاستقبال شهر رمضان المبارك، لكن أيامه مرّت سريعًا، وكلما انقضى يومٌ منها شعرنا بشيء من الحسرة على فراقه. غير أن الله تعالى قدّر أن تسير الحياة وتمضي الأيام بمشيئته، ولذلك لا يسعنا إلا أن نستغل ما تبقّى من أيام هذا الشهر بصدق النيّة والاجتهاد في طاعة الله.

فالعشر الأواخر من رمضان تُعدّ أعظم أيامه، وأعظم ما فيها ليلة القدر، ولذلك ينبغي لنا أن نلتمس بركة هذا الشهر في خواتيمه، فقد اختصّها الله بفضائل عظيمة تعلّمناها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي كان إذا دخلت هذه الأيام اجتهد فيها أكثر من غيرها. فقد روت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها».

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحيي ليالي هذه الأيام بكثرة القيام والذكر وقراءة القرآن. وتقول عائشة رضي الله عنها: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجدّ وشدّ المئزر». وفي ذلك إشارة واضحة إلى اغتنام الوقت، فالعاقل هو من يستثمر هذه الأيام المباركة. ولم يرد النبي الخير لنفسه فحسب، بل أراده لأهله وللناس جميعًا. وقد قال ابن رجب رحمه الله: إن النبي صلى الله عليه وسلم إذا بقي من رمضان عشر ليالٍ لم يدع أحدًا من أهله يطيق القيام إلا أقامه.

ومن الأعمال التي اعتادها الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه الأيام الاعتكاف في المسجد وملازمته، فلا يخرج منه إلا لحاجة ملحّة. فقد جاء في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده». وفي الاعتكاف انقطاع عن مشاغل الدنيا، وتفرّغ لغذاء الروح من قراءة القرآن والذكر والتسبيح والصلاة.

وفي هذه العشر ليلةٌ هي من أعظم ليالي السنة، وهي ليلة القدر التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحرّاها في العشر الأواخر. فقال: «التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، في تاسعة تبقى، أو سابعة تبقى، أو خامسة تبقى». وروي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليلة القدر ليلة سبع وعشرين»، وهو ما رجّحه كثير من المسلمين.

وقد بيّن الله فضل هذه الليلة في سورة القدر:
«إِنّا أَنزلناهُ في لَيلَةِ القَدر * وَما أَدراكَ ما لَيلَةُ القَدر * لَيلَةُ القَدرِ خَيرٌ مِن أَلفِ شَهر * تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ وَالرّوحُ فيها بِإِذنِ رَبِّهِم مِن كُلِّ أَمر * سَلامٌ هِيَ حَتّى مَطلَعِ الفَجر».
وقال تعالى في سورة الدخان: «فيها يُفرَقُ كلُّ أمرٍ حكيم».

ولذلك ينبغي للمؤمنين الإكثار من الدعاء، وخاصة ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقد سألت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله، أرأيت إن وافقت ليلة القدر ما أقول فيها؟ فقال: «قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عني».

ومع انشغالنا بالعبادة ومرور الأيام سريعًا، لا ينبغي أن ننسى إسعاد الفقراء والمساكين، كما أمر الشرع. فقد حثّ النبي صلى الله عليه وسلم على إخراج زكاة الفطر لما فيها من معانٍ روحية وتكافل اجتماعي بين الناس. فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين».

وبيّن النبي حكمتها بقوله: «طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين؛ فمن أدّاها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أدّاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات».

وعلى كل ربّ أسرة أن يخرج زكاة الفطر عن كل فرد من أفراد بيته. وتُقدّر قيمة زكاة الفطر عن كل شخص بنحو عشرين شيقلًا، ومن زاد فهو خير على خير. فقد كانت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم تُخرج من أنواع الطعام، كما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: «كنا نخرج يوم الفطر في عهد النبي صلى الله عليه وسلم صاعًا من طعام، وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر». ويُقدّر الصاع بنحو كيلوين وأربعين غرامًا من البر.

وتُعطى زكاة الفطر للفقراء والمساكين، ويجوز إعطاؤها لفقير واحد، غير أن الأولى بها الأقارب الفقراء الذين لا تجب نفقتهم على المزكّي، لأن في ذلك صدقة وصلة رحم. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة».

ولا يجوز إخراجها للأصول والفروع من الأقارب، كالوالدين والأبناء، لأن نفقتهم واجبة على المزكّي، ولا يُعقل أن يخرج زكاته ووالداه أو أبناؤه محتاجون.

وأخيرًا، في ظلّ الواقع الذي نعيشه من حرب ودمار، لا بدّ من التنبيه إلى ضرورة الأخذ بالأسباب للنجاة. فمن خاف الوصول إلى المسجد لأداء قيام رمضان أو إحياء ليلة القدر، فبإمكانه أن يحييها في بيته مع أهله وأحبّته، ففضل الله واسع، والعبادة لا يحدّها مكان.

ونسأل الله أن يتقبّل منا الصيام والقيام، وأن يجعل ختام رمضان خيرًا وبركة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *