بقلم: الشيخ رشاد أبو الهيجاء معركة بدر الكبرى

مراسل حيفا نت | 06/03/2026

بقلم: الشيخ رشاد أبو الهيجاء

معركة بدر الكبرى

توافق اليوم ذكرى معركة بدر الكبرى التي وقعت في السابع عشر من شهر رمضان في العام الثاني للهجرة النبوية من مكة إلى المدينة المنورة. وفي تلك المعركة التقى جيش رسول الله ﷺ بقيادته مع جيش قريش الذي أخرج المسلمين من مكة، بقيادة أبي جهل (عمرو بن هشام)، وذلك عند آبار بدر الواقعة بين مكة والمدينة.

وقد شاءت قدرة الله تعالى أن ينتصر جيش المسلمين رغم قلة عددهم وقلة عتادهم؛ إذ بلغ عدد المسلمين ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، فيهم فارسان وسبعون بعيرًا يتعاقبون عليها، والبقية من المشاة، ولم يكن معهم من العُدّة ما يكفي لخوض معركة كبيرة. في المقابل، كان عدد مقاتلي قريش يقارب الألف، ومعهم السلاح والعتاد والزاد، الأمر الذي جعل الكفة غير متكافئة من حيث العدد والعدة. ومع ذلك اقتضت مشيئة الله أن ينصر رسوله والمؤمنين في تلك المعركة.

وسُمّي ذلك اليوم يوم الفرقان؛ لأنه كان يومًا فاصلاً بين الحق والباطل، ونقطة تحول كبيرة في نشأة الدولة الإسلامية في المدينة المنورة بعد الهجرة. وقد أشار الله تعالى إلى ذلك في كتابه الكريم بقوله:
﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
وقال السدي: يوم الفرقان هو يوم بدر، يوم التقى الجمعان، حيث فرق الله به بين الحق والباطل وأظهر الحق وأبطل الباطل.

ومن أبرز ما حدث في تلك المعركة مقتل أبي جهل (عمرو بن هشام)، الذي كان من أشد الناس عداوة لرسول الله ﷺ، وكان همه القضاء على الرسالة الناشئة، رسالة الإسلام.

ويؤكد هذا الانتصار الذي امتن الله به على رسوله عدة معانٍ عظيمة، أهمها أن النصر من عند الله، وأن قلة العدد والعدة لا تكون عائقًا حين يكون التأييد من الله تعالى، وذلك مع حسن التوكل عليه. قال تعالى:
﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.

كما نتعلم من هذه المعركة أهمية الشورى والاستشارة؛ فقد كان من هدي رسول الله ﷺ أن يستشير أصحابه، وكان يقول: «ما خاب من استشار». فلما علم بخروج جيش قريش بعتاده وعدده بقيادة أبي جهل، وقف النبي ﷺ يخاطب أصحابه قائلاً:
«أشيروا عليَّ أيها الناس».

ففهم سعد بن عبادة، زعيم الأنصار، أن النبي ﷺ يريد رأي الأنصار، فقال:
يا رسول الله، لقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة. فامضِ لما أردت، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، وما يتخلف منا رجل واحد. وما نكره أن تلقى بنا عدونا، وإنا لصبر عند الحرب، صدق عند اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله.

وقد أمر الله تعالى بالشورى فقال:
﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾.
وقال ابن كثير في تفسيرها: أي لا يبرمون أمرًا حتى يتشاوروا فيه، ليتعاونوا بآرائهم، خاصة في أمور الحروب وما شابهها.

ومع أن رسول الله ﷺ مؤيد بالوحي من ربه، كما قال تعالى:
﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾،
إلا أنه لم يتردد في استشارة أصحابه، تعليمًا للأمة وترسيخًا لقيمة الشورى.

ثم سار النبي ﷺ بجيشه نحو بدر، وهناك وقف يناجي ربه داعيًا:
«اللهم إنهم حفاة فاحملهم، عراة فاكسهم، جياع فأطعمهم، اللهم إن تهلك هذه العصابة لن تُعبد في الأرض بعد اليوم».

فجاءه المدد من رب السموات والأرض، كما أخبر الله تعالى في كتابه:
﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.

كما نرى في أحداث التوجه إلى بدر مثالًا عظيمًا في التواضع والمساواة بين القائد وأصحابه؛ فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:
كنا يوم بدر كل ثلاثة على بعير يتعاقبون عليه، وكان أبو لبابة وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما مع رسول الله ﷺ على بعير. فلما جاءت نوبة نزول النبي ﷺ قالا له: نحن نمشي عنك يا رسول الله. فقال ﷺ: «ما أنتما بأقوى مني على المشي، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما».

وانتهت المعركة التي كتب عنها المؤرخون الكثير خلال وقت قصير، لكنها تركت أثرًا عظيمًا في تاريخ الإسلام. وقد وقع عدد من أسرى قريش في يد المسلمين، فعلم النبي ﷺ البشرية أخلاقيات الحرب، فقال لأصحابه:
«استوصوا بالأسرى خيرًا»، أي أحسنوا معاملتهم ولا تعذبوهم.

وقد تجلت هذه الأخلاق في معاملة الأسرى؛ فكان منهم الوليد بن الوليد بن المغيرة الذي قال: كانوا يحلوننا ويمشون. وقال أبو عزيز بن عمير: كنت في رهط من الأنصار، فكانوا إذا قدموا غداءهم أو عشاءهم خصّوني بالخبز، وأكلوا التمر، تنفيذًا لوصية رسول الله ﷺ بنا.
وقال العاص بن الربيع: كنت في رهط من الأنصار، فكانوا إذا تعشّينا أو تغدّينا آثروني بالخبز وأكلوا التمر، حتى إن الرجل لتقع في يده كسرة فيدفعها إليّ.

وهكذا بقيت معركة بدر مدرسة في الإيمان، والتوكل على الله، والشورى، والتواضع، والأخلاق حتى في ميادين القتال، لتكون درسًا خالدًا للأمة في كل زمان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *