ولَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ بقلم: الشيخ رشاد أبو الهيجاء

مراسل حيفا نت | 06/02/2026

ولَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
بقلم: الشيخ رشاد أبو الهيجاء

يعبر الكثير من الناس عن شكرهم لله بقولهم: الحمد لله، غير أن بعضهم يقف عند حدود هذه الكلمة العظيمة، دون أن يحوّلها إلى منهاج حياة. فالشكر على نعم الله ليس قولًا باللسان فحسب، بل هو إقرار بالجَنان، وعملٌ بالأركان والجوارح. ومن يصل إلى هذه المنزلة يبلغ كمال العبودية لله تعالى.

وقد عبّر رسول الله ﷺ عن هذا المعنى حين عوتب في قيام الليل حتى تورمت قدماه، رغم أن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال:
«أفلا أكون عبدًا شكورًا».

الشكر من كمال الإيمان

ولأهمية الشكر، دعا الله تعالى إليه عباده المؤمنين، فقال:
﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا الله إن كنتم إياه تعبدون﴾.
وفي هذه الآية إشارة واضحة إلى أن شكر الله على نعمه من كمال الإيمان، إذ قال تعالى:
﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾.

كما حثّ النبي ﷺ أصحابه على الشكر، فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله ﷺ:
«إني أحبك، فقل: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك».

الشكر سلوك وعمل

فلا يكفي شكر الله باللسان دون حضور القلب والعمل بالجوارح. قال تعالى:
﴿وأما بنعمة ربك فحدّث﴾،
وليس المقصود مجرد القول، بل التفاعل الوجداني والاجتهاد العملي، بأن تظهر نعمة الله عليك، وتثني على المنعم، ويستقر في قلبك حب الله وتعظيمه، فتتحول طاقاتك إلى خضوعٍ له واستجابةٍ لأوامره، وألا تُستعمل نعمه في معصيته، فإن ذلك من المهلكات.

قال رسول الله ﷺ:
«لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه».

وهذه الأربعة من أعظم نعم الله، فيجب شكرها باستغلال العمر في الطاعة، والشباب في العطاء، والمال في الحلال، والعلم في العمل به، إذ به يُعرف الحق من الباطل، والحلال من الحرام.

عداوة إبليس للشاكرين

وقد أدرك إبليس أن الاستقامة دليل على شكر العبد لربه، فتوعد بني آدم بقوله:
﴿ولا تجد أكثرهم شاكرين﴾،
ولذلك قال:
﴿لأقعدن لهم صراطك المستقيم﴾،
ليصدّهم عن الشكر والطاعة.

التأمل في نعم الله

ولكي يدرك الإنسان عظم نعم الله عليه، لا بد أن يتأمل ما حوله وفي نفسه، قال تعالى:
﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾.
فنعمة البصر وحدها آية عظيمة، إذ تتكوّن العين من طبقات ورطوبات دقيقة، لكل واحدة وظيفة، وإذا اختلت واحدة اختل التوازن كله.

ويُروى أن هارون الرشيد طلب موعظة من ابن السماك، وكان بيده قدح ماء، فقال له:

لو مُنعت هذه الشربة إلا بالدنيا وما فيها، أكنت تفديها بها؟
قال: نعم.
فلما شرب قال:
ولو مُنعت إخراجها إلا بالدنيا وما فيها، أكنت تفديها؟
قال: نعم.
فقال:
فما تصنع بدنيا لا تساوي شربة ماء؟

اغتنام النعم قبل زوالها

وكثير من الناس لا يعرف قيمة النعمة إلا بعد فقدها؛ فالأعمى يعرف قيمة البصر، والمريض يدرك نعمة الصحة. ولهذا قال رسول الله ﷺ:
«اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك».

النظر إلى من دونك

وقد تغيب نعم الله عن وجدان الناس حين ينظرون إلى من فوقهم، ولا ينظرون إلى من دونهم، فقال رسول الله ﷺ:
«من رأى من فُضِّل عليه في المال والخلق، فلينظر إلى من هو أسفل منه، فإنه أجدر ألا يزدرِي نعمة الله عليه».

خاتمة

ويكون شكر نعمة المال بالإنفاق في الحلال والصدقة، وشكر نعمة الأولاد بالتربية والرعاية، وشكر الوالدين بالبر والإحسان، وهكذا تكون المعاملة مع نعم الله كلها، قولًا واعتقادًا وعملًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *