صنائع المعروف بقلم: الشيخ رشاد أبو الهيجاء

مراسل حيفا نت | 30/01/2026

صنائع المعروف
بقلم: الشيخ رشاد أبو الهيجاء

قال رسول الله ﷺ:
«صنائعُ المعروفِ تقي مصارعَ السوء، والصدقةُ خفيًّا تُطفئ غضبَ الرب، وصلةُ الرحمِ زيادةٌ في العمر، وكلُّ معروفٍ صدقة، وأهلُ المعروفِ في الدنيا هم أهلُ المعروفِ في الآخرة، وأهلُ المنكرِ في الدنيا هم أهلُ المنكرِ في الآخرة».

يحمل هذا الحديث النبوي الشريف دعوةً جامعةً إلى أعمال البر والإحسان، ويمنح عنوانًا واضحًا لشخصية المؤمن الذي يجعل من مدّ يد العون للضعفاء وأهل الحاجة نهجًا ثابتًا في حياته. ولعلّ هذا الخُلُق كان من أبرز الصفات التي تميّز بها رسول الله ﷺ قبل البعثة وبعدها، حتى شهدت له بذلك السيدة خديجة رضي الله عنها حين قالت له بعد نزول الوحي:
«والله لا يُخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتُقري الضيف، وتعين على نوائب الدهر».

لقد كان واضحًا في وعي المجتمع الأول أن من اتصف بالكرم والجود ونصرة الضعفاء لا يُخيّبه الله. ويؤكد القرآن الكريم والسنة النبوية أن هذه الأعمال صورة مشرقة من صور البر والإحسان، تُدخل صاحبها في زمرة من يحبهم الله، قال تعالى:
{وأحسنوا إن الله يحب المحسنين}.

ولم يتوانَ النبي ﷺ عن تربية أصحابه على هذا النهج، لما فيه من نفعٍ يعود على الفرد والمجتمع معًا. يقول ﷺ:
«المسلمُ أخو المسلم، لا يظلمه ولا يُسلِمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرّج عن مسلم كربةً فرّج الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة».

وبقدر ما يكون المرء نصيرًا لإخوانه، مبادرًا إلى صنائع المعروف، يرتقي في أفضليته بين الناس. فقد جاء عن الإمام الطبراني قول النبي ﷺ:
«خيرُ الناس أنفعُهم للناس».

ويتجلّى هذا النفع بطرق متعددة: بالإحسان بالمال، أو بالشفاعة الحسنة، أو بالدلالة على الخير، أو بنقل علمٍ يُنتفع به في الدين والدنيا. بل حتى غرس شجرةٍ يُعدّ صدقة جارية، إذ يقول ﷺ:
«ما من مسلمٍ يغرس غرسًا فيأكل منه إنسان أو دابة أو طير، إلا كان له به صدقة إلى يوم القيامة».

ولهذا رأينا في تاريخ الأمة تنافسًا في حفر الآبار وزراعة الأشجار المثمرة على قارعة الطريق، ابتغاء نفع الناس وأجر الآخرة. وقال أحد العلماء:
«دلّ العقل والنقل والفطرة وتجارب الأمم على أن التقرب إلى رب العالمين، وطلب مرضاته، والإحسان إلى خلقه، من أعظم الأسباب الجالبة لكل خير، وأن أضدادها من أكبر الأسباب الجالبة لكل شر».

وصنائع المعروف خُلُق أصحاب الهمم العالية، الذين يُلزمون أنفسهم مدّ يد العون للضعفاء والمحتاجين دون انتظار مقابل. وقد قيل:
«إن لله وجوهًا من خلقه، خلقهم لقضاء حوائج عباده، يرون الجود مجدًا، والإفضال مغنمًا، والله يحب مكارم الأخلاق».

وكان رسول الله ﷺ القدوة الحسنة في ذلك؛ أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان. ومن جميل ما قيل في هذا المعنى قول خالد بن قيس القسري:
«تنافسوا في المغانم، وسارعوا إلى المكارم، واكسبوا بالجود حمدًا، ولا تكسبوا بالمال ذمًّا».

وتحكي السيرة مواقف مضيئة؛ فقد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يخدم امرأةً عجوزًا عمياء في أطراف المدينة. فلما تولّى الخلافة ظنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سينشغل، فبادر إلى خدمتها، لكنه كان يجد من سبقه إليها. فلما علم أن أبا بكر هو الفاعل، قال متعجبًا: «أتعبتَ من سيأتي من بعدك».

وكان رسول الله ﷺ يؤثر غيره على نفسه وعياله، حتى تمرّ الأيام ولا تُوقد في بيته نار لطعام. وبعد وفاته، باع عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أرضًا بأربعين ألف دينار، فقسّمها على الفقراء، ومنهم أمهات المؤمنين. فلما بلغ ذلك السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: «سقى الله عبد الرحمن بن عوف من سلسبيل الجنة».

وخلاصة القول:
بادر ـ أخي الكريم ـ إلى صنائع المعروف، ولو بشقّ تمرة، أو بكلمة طيبة، أو بابتسامة في وجه أخيك؛ فكل معروف صدقة، وكل إحسان طريق إلى رضوان الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *