من رحمة الله تعالى بنا أن تدور الأيام، وتعود معها الذكريات العطرة التي سطّرت تاريخ الأمة بأسطرٍ من نور، ومن أعظم هذه الذكريات ذكرى الإسراء والمعراج؛ تلك الرحلة الربانية العظيمة التي تحمل في طياتها دروسًا وعِبرًا لا تنقضي.
وقد وقعت رحلة الإسراء والمعراج – على أرجح الأقوال – في السنة العاشرة من بعثة النبي ﷺ، ليلة السابع والعشرين من شهر رجب، أي قبل الهجرة إلى المدينة المنورة بثلاث سنوات. وقد خُلّدت هذه الرحلة في كتاب الله عز وجل، لأنها معجزة إلهية كبرى، قال تعالى:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
في هذه الآية دلالة واضحة ويقين ثابت بأن رحلة الإسراء تحققت بمشيئة الله وقدرته المطلقة؛ لذا افتتحها الله سبحانه بالتسبيح: ﴿سبحان الذي﴾، تنزيهًا له جلّ وعلا عن كل نقص، وتأكيدًا أن قدرته لا تحد ولا توصف، فهو القائل:
﴿إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾.
وفي ذلك ردٌّ على من يقيس هذه المعجزة بقدرات البشر المحدودة، أما من ينسبها إلى قدرة الخالق فلا يملك إلا التسليم والانقياد.
وقد جاءت هذه المعجزة في عام الحزن؛ العام الذي فقد فيه النبي ﷺ زوجته خديجة رضي الله عنها، حصنه الداخلي وناصرته الأولى، كما فقد عمّه أبا طالب، حصنه الخارجي، فاشتد أذى قريش عليه، وتكالبت الافتراءات والمضايقات. ثم خرج إلى الطائف يلتمس النصرة، فسلّطوا عليه العبيد والغلمان يرجمونه بالحجارة حتى سال الدم من قدميه الشريفين.
فجاءت معجزة الإسراء والمعراج لتقول له:
إن ضاقت عليك الأرض، فإن السماء ترحب بك.
أتى جبريل عليه السلام مصحوبًا بالبُراق، الدابة التي كان يركبها الأنبياء، فانتقل به بسرعة خارقة إلى محطات عدة قبل انتهاء الرحلة الأرضية وبدء الرحلة السماوية. وتذكر بعض كتب السيرة أن النبي ﷺ نزل فصلى في المدينة المنورة، ثم في طور سيناء حيث كلّم الله موسى عليه السلام، ثم في مدين بلد نبي الله شعيب، ثم في بيت لحم مولد عيسى عليه السلام، وصولًا إلى بيت المقدس.
وفي المسجد الأقصى جمع الله الأنبياء جميعًا، فصلى بهم رسول الله ﷺ إمامًا، في دلالة واضحة على انتقال السيادة الروحية والقيادة الدينية إليه، وعلى الارتباط العقائدي العميق بهذه الأرض المباركة.
ومن المسجد الأقصى بدأت رحلة المعراج، فصعد النبي ﷺ من سماء إلى سماء، يلتقي في كل سماء بنبي من الأنبياء:
في الأولى آدم، وفي الثانية عيسى ويحيى، وفي الثالثة يوسف، وفي الرابعة إدريس، وفي الخامسة هارون، وفي السادسة موسى، وفي السابعة إبراهيم عليه السلام، مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، عند سدرة المنتهى، حيث رأى النبي ﷺ جبريل على صورته الحقيقية، قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ﴾.
وهناك فُرضت الصلاة، لتكون معراج المؤمنين إلى خالقهم.
وعندما عاد النبي ﷺ وأخبر قريشًا بما رأى، حاول أبو جهل استغلال الأمر لتكذيبه، فجمع الناس وطلب من النبي وصف بيت المقدس، فوصفه بدقة وكأنه رآه رأي العين، فقال أحدهم:
يا واصف الأقصى أتيت بوصفه
وكأنك الرسام والبنّاء.
لقد كانت رحلة الإسراء والمعراج اختبارًا حقيقيًا للإيمان، وفرصة لرؤية عجائب قدرة الله، وتثبيتًا لقلب النبي ﷺ بعد ما مرّ به من حصار وأذى وفقد. كانت زادًا روحيًا وطاقةً إيمانية هائلة للاستمرار في الدعوة، ونحن اليوم ثمرة من ثمار تلك الرحلة المباركة.
ومن دروس الإسراء والمعراج:
• اليقين بأن الله صاحب القدرة المطلقة.
• أن مع العسر يسرًا، ومهما اشتدت المحن فلا بد من فرج.
• أن الصلاة محور حياة المسلم، وهي معراجه اليومي إلى الله خمس مرات.
• أن الإسراء ربط ربطًا عقائديًا خالدًا بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى، ومعهما المسجد النبوي الشريف، كما قال رسول الله ﷺ:
«لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا».
نسأل الله أن يجعل هذه الذكرى نورًا في قلوبنا، وبوصلةً في دروبنا، وثباتًا على الحق حتى نلقاه.








