رضى رغم المحن بقلم الشيخ رشاد أبو الهيجاء

مراسل حيفا نت | 12/09/2025

مما لا شكّ فيه أنّ الحليم فينا بات حيران، وهذه الحالة النفسيّة المتأصّلة في نفوس الناس إنّما جاءت نتيجة المحن المستمرّة. الكل يبحث عن ملاذ تطمئنّ به النفوس، ونحن في ذكرى مولد الرسول الأكرم ﷺ نؤكّد أنّ هذا الملاذ لا يتحقّق إلا باتّباع منهج الرسل الكرام، وخاتمهم محمد ﷺ، حيث إنّ من اتّبع سبيلهم سار على المحجّة البيضاء التي لا يزيغ عنها إلا هالك.

فالرضى والطمأنينة في كلّ الأحوال يميزان المؤمن في مواقفه وثباته ورجولته، وكذلك المرأة المؤمنة يكون ثباتها على الحقّ مضرباً للأمثال. فالمؤمن، في سلوكه ومواقفه، يلبي الفطرة التي فطر الله الناس عليها، قال تعالى:
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾.

ومن لبّى نداء فطرته، وسار على الصراط المستقيم، عاش مطمئنّ النفس، منشرح الصدر، واثقاً أنّه في كنف الله ورعايته. لذا لا يأس ولا اكتئاب ولا حزن يسيطر عليه، بل تزيد التحديات من يقينه بمعيّة الله، القائل:
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾.

ولنا في صلح الحديبية عبرة؛ إذ اعتبر بعض الصحابة ما جرى تنازلاً، فقال عمر رضي الله عنه: “ألسنا على الحق؟ فلمَ نعطي الدنيّة في ديننا؟”، لكنهم نزلوا عند رغبة الرسول ﷺ الذي ﴿ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾. وقد كان الثبات مع الرسول سبباً للفتح القريب، قال تعالى:
﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾.

فالسكينة إذن تأتي بعد الرضى بقضاء الله وقدره، لا بالمال ولا بالجاه ولا بالمناصب. وقد قال رسول الله ﷺ:
«عجباً لأمر المؤمن، إنّ أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له».

ولذلك كم من غنيّ فقد السكينة رغم كثرة ماله، وكم من فقير الحال مريض الجسد شعر بسعادة لا يضاهيه فيها أحد. وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه: “الفقر والغنى مطيّتان، ما أبالي أيّهما ركبت، إن كان الفقر فإن فيه الصبر، وإن كان الغنى فإن فيه البذل”.

ويحكي الراوي عن الإمام إبراهيم بن أدهم أنّه حين أكل مع أصحابه خبزاً جافّاً على ضفاف نهر الأردن، ثم نزل إلى النهر ليشرب، قال: “لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من السرور والنعيم، لجالدونا عليه بأسيافهم”. فالمؤمن يجد لذّة العيش في معية الله، ولو مع خشونة العيش.

ومن يتأمّل قصص القرآن يجدها شاهدة على هذا المعنى؛ فإبراهيم عليه السلام حين أُلقي في النار كان ساكن البال، فكانت النار برداً وسلاماً عليه. ويونس عليه السلام حين نادى ربّه في الظلمات:
﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾.

إنّ الخلاصة التي نستخلصها أنّ مصدر السكينة والطمأنينة والسعادة يكمن في شيء واحد: الإيمان بالله واليوم الآخر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *